توكنة وأصول حقيقية
مشاركة
دراسة من بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس تحذر من أن التوسع في الودائع المُمثلة رقمياً قد يُقلص قدرة البنوك الأميركية على الإقراض طويل الأجل بما يصل إلى 580 مليار دولار، عبر تسريع حركة الأموال وتعزيز حساسيتها لأسعار الفائدة.
تشير دراسة جديدة إلى أن التوسع في استخدام الودائع المصرفية المُمثلة رقميًا قد يضغط على نموذج التمويل التقليدي للبنوك الأميركية، عبر تسريع حركة أموال العملاء وزيادة حساسيتها لتغيرات أسعار الفائدة.
وفي ورقة بحثية نُشرت في 25 أغسطس، بحث الخبيران الاقتصاديان روزي ليفي وسريني راماسوامي من بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس التأثير المحتمل للانتشار واسع النطاق للودائع المُمثلة رقميًا على قدرة البنوك على استخدام هذه الأموال لتمويل الأصول طويلة الأجل.
وخلص الباحثان إلى أن سرعة تحويل الأموال قد تُقلل مدة بقائها لدى البنوك، بينما تزيد في الوقت نفسه المنافسة على الودائع. ومن شأن هذين العاملين أن يضعفا قدرة البنوك على تحويل آجال الاستحقاق، ما قد يؤثر على مئات المليارات من الدولارات من قدرتها على الإقراض طويل الأجل.
ولا تتوقع الورقة البحثية ما إذا كانت الودائع المُمثلة رقميًا ستنتشر على نطاق واسع، بل تحلل ما قد يحدث في حال تبني هذه التقنية على نطاق كبير. كما أن الآراء الواردة فيها تعود إلى الباحثين ولا تمثل بالضرورة موقف بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس أو نظام الاحتياطي الفيدرالي.
تمثل الودائع المُمثلة رقميًا ودائع البنوك التجارية على بنية تحتية قائمة على البلوكتشين، مع بقاء الأموال الأساسية ضمن النظام المصرفي الخاضع للتنظيم. وعلى عكس العملات المستقرة، تظل هذه الودائع مطالبات مباشرة على البنك المُصدر، كما يمكن أن تدر فوائد.
ومع ذلك، لا يزال نقل الودائع المُمثلة رقميًا بين البنوك المختلفة أكثر صعوبة. ولكي تنتشر هذه الأصول على نطاق واسع، يرى الباحثان ضرورة تمكينها من الانتقال بين المؤسسات، وهو ما بدأت البنوك بالفعل باستكشافه عبر نماذج قائمة على الاتحادات والشبكات المشتركة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن النظام المصرفي التقليدي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار النسبي لودائع العملاء.
رغم إمكانية سحب الودائع تحت الطلب في أي وقت من الناحية القانونية، يميل العملاء إلى إبقاء أموالهم في البنوك لفترات أطول بكثير من يوم واحد.
وتقيس البنوك هذا السلوك من خلال متوسط العمر المرجّح للودائع، الذي يقدّر المدة التي يُتوقع أن تبقى خلالها الأموال ضمن ميزانياتها العمومية.
كذلك، تكون الودائع عادةً أقل حساسية لتغيرات أسعار الفائدة في السوق مقارنةً بمصادر التمويل الأخرى. وبفضل طول متوسط عمرها المرجّح وانخفاض حساسيتها للفائدة، يمكن للبنوك التعامل معها كالتزامات مستقرة نسبيًا وطويلة الأجل.
ويتيح هذا الاستقرار للمؤسسات المصرفية تمويل قروض طويلة الأجل ذات أسعار فائدة ثابتة دون الحاجة إلى تأمين تمويل طويل الأجل مماثل لكل قرض.
قد يؤدي تمثيل الودائع رقميًا إلى تغيير هاتين الخاصيتين بشكل جوهري.
فمع التسوية شبه الفورية، سيتمكن العملاء من نقل أموالهم بسهولة أكبر إلى البنوك التي تقدم عوائد أعلى. وقد يؤدي ذلك إلى تقليص متوسط مدة بقاء الودائع لدى مؤسسة معينة وزيادة المنافسة بين البنوك على أرصدة العملاء.
وقد تزيد قابلية البرمجة من سرعة هذا التحول. وأشار ليفي وراماسوامي إلى أن الجمع بين العقود الذكية والذكاء الاصطناعي الوكيل قد يسمح نظريًا بتحويل الأموال تلقائيًا إلى حسابات ذات عوائد أعلى، دون الحاجة إلى تنفيذ العملاء لكل عملية بأنفسهم.
وفي الوقت نفسه، قد تصبح صناديق سوق المال المُمثلة رقميًا أكثر منافسة للودائع التقليدية مع انخفاض العوائق المرتبطة بتحويل الأموال.
أما ودائع الشركات، فقد تبقى أكثر استقرارًا نسبيًا بسبب اعتماد الشركات على البنوك في خدمات المقاصة والحفظ وإدارة النقد. ومع ذلك، قد تمنح المدفوعات الفورية الشركات قدرة أكبر على إدارة السيولة خلال اليوم.
يكتسب هذا التأثير المحتمل أهمية أكبر عند النظر إلى النظام المصرفي الأميركي ككل.
وبالاستناد إلى بيانات الاحتياطي الفيدرالي H.8، قدّر الباحثان أن البنوك التجارية الأميركية كانت تمتلك أصولًا بقيمة نحو 25.7 تريليون دولار حتى 15 يوليو. وبعد تطبيق آجال استحقاق مفترضة على فئات الأصول المختلفة، قدّر حجم انكشاف البنوك على مدة تعادل 10 سنوات بنحو 7.03 تريليون دولار.
وتدعم الودائع جزءًا كبيرًا من هذه القدرة. ووفقًا للدراسة، فإن نحو 5.8 تريليون دولار، أي ما يقارب 80% من إجمالي انكشاف النظام المصرفي على مخاطر المدة، تستند إلى خصائص الودائع.
وبحسب حسابات الباحثين، فإن انخفاض متوسط العمر المرجّح للودائع بنسبة 10% قد يقلل قدرة النظام المصرفي على تحويل آجال الاستحقاق بما يعادل نحو 580 مليار دولار من المدة المكافئة لعشر سنوات.
كما أن زيادة حساسية الودائع لأسعار الفائدة بنسبة 10% قد يكون لها تأثير أكبر، إذ يمكن أن تقلل استعداد البنوك لتحمل مخاطر المدة بنحو 700 مليار دولار، بافتراض متوسط عمر مرجّح للودائع يبلغ أربع سنوات.
ويمكن للبنوك تعويض هذا الأثر من خلال الاعتماد بدرجة أكبر على الديون طويلة الأجل. إلا أن الباحثين أشارا إلى أن زيادة الاعتماد على التمويل بالجملة ستجعل نموذج البنوك أقرب إلى نموذج المؤسسات المالية غير المصرفية، ما قد يؤدي في النهاية إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض على الأسر والشركات.
لا تقتصر التداعيات المحتملة للودائع المُمثلة رقميًا على الإقراض طويل الأجل.
فالبنوك تحتفظ أيضًا بأصول سائلة عالية الجودة لمواجهة عمليات السحب والامتثال لمتطلبات مثل نسبة تغطية السيولة. وتُحدد معدلات مختلفة للتدفقات الخارجة المتوقعة لفئات الودائع خلال اختبارات الضغط المصرفي.
وعادةً ما تحصل الودائع التشغيلية على معدلات تدفق خارجة أقل، لأن الشركات التي تعتمد على البنوك في المقاصة والحفظ وإدارة النقد يُنظر إليها على أنها أقل ميلًا إلى نقل أموالها بسرعة.
لكن الودائع المُمثلة رقميًا قد تتحدى هذا الافتراض من خلال إتاحة تحويل الأموال بين المؤسسات بصورة شبه فورية. ونتيجة لذلك، قد تصبح أرصدة الودائع اليومية أكثر تقلبًا، فيما تزداد حالة عدم اليقين بشأن حجم عمليات السحب المحتملة خلال فترات اضطراب السوق.
وبالتالي، حتى إذا بقي إجمالي حجم الودائع ثابتًا، فإن تحولها إلى أرصدة يسهل نقلها قد يؤدي إلى زيادة التدفقات الخارجة المتوقعة.
وفي حال عدم زيادة استخدام الائتمان اليومي أو تغيير شروط الوصول إلى نافذة الخصم لدى الاحتياطي الفيدرالي، قد تضطر البنوك إلى الاحتفاظ بمزيد من الأصول عالية السيولة. ومن المرجح أن تكون الاحتياطيات وسندات الخزانة الأميركية من الخيارات المفضلة، نظرًا إلى إمكانية تحويلها إلى سيولة بسرعة.
تأتي هذه الدراسة في وقت تعمل فيه أكبر البنوك الأميركية على تطوير بنية تحتية تسمح بنقل الودائع المُمثلة رقميًا بين المؤسسات بدلًا من بقائها داخل شبكات كل بنك على حدة.
وتعمل بنوك جي بي مورغان تشيس، وبنك أوف أميركا، وسيتي غروب، وويلز فارجو على تطوير شبكة مشتركة للودائع المُمثلة رقميًا عبر شركة ذا كليرينغ هاوس، مع استهداف إطلاقها خلال النصف الأول من عام 2027.
ومن المتوقع أن تستهدف الشبكة في مرحلتها الأولى الشركات متعددة الجنسيات، مع استخدامات محتملة تشمل إدارة الخزينة القابلة للبرمجة، وإدارة السيولة الفورية، والمدفوعات عبر الحدود.
وقد دعمت المبادرة أكثر من 12 مؤسسة مالية أخرى، من بينها بنك نيويورك، وإتش إس بي سي، وبي إن سي، وسانتاندير، وتي دي بنك، وترويست، ويو إس بنك.
ويشغّل كل من جي بي مورغان وسيتي غروب بالفعل أنظمة دفع خاصة قائمة على تقنية البلوكتشين، إلا أن الشبكة المقترحة ستتيح انتقال الأموال المصرفية المُمثلة رقميًا بين المؤسسات المشاركة.
ويلز فارجو تُخطط لإطلاق خدمة الودائع المُمثلة رقميًا
في موازاة ذلك، تعمل ويلز فارجو على مبادرة منفصلة لإطلاق خدمة للودائع المُمثلة رقميًا تستهدف عملاء الشركات والمؤسسات التجارية خلال الخريف.
ومن المتوقع أن يدعم الإطلاق الأولي معاملات مختارة بين الدولار الأميركي والجنيه الإسترليني، على أن يوسع البنك الخدمة لتشمل عملاء ودولًا وعملات إضافية خلال عام 2027.
وبحسب ويلز فارجو، ستتيح الخدمة للعملاء تحويل الأموال وبرمجتها وتسويتها على مدار الساعة، مع إبقاء الأموال ضمن النظام المصرفي الخاضع للرقابة.
تعمل سويفت بدورها على تطوير بنية تحتية قائمة على البلوكتشين لدعم المدفوعات العابرة للحدود على مدار الساعة.
وفي يوليو، بدأت شبكة المراسلة المالية نشر سجلها القائم على البلوكتشين، فيما تستعد 17 مؤسسة مصرفية لاختبار مدفوعات الودائع المُمثلة رقميًا بهدف إتاحة التسوية المستمرة.
وشملت المرحلة الأولى بنوكًا مثل إتش إس بي سي، وسيتي، وبي إن بي باريبا، ويو بي إس، وإيه إن زد، ودي بي إس، وستاندرد تشارترد، بعد تسعة أشهر من التطوير.
ويهدف النظام إلى دعم المدفوعات الليلية ومدفوعات عطلات نهاية الأسبوع، مع الحفاظ على معايير الامتثال والائتمان وإدارة المخاطر والرقابة الحالية.
وفي اتجاه آخر، يجري اختبار نموذج مختلف من خلال مشروع أغورا، وهو مبادرة مشتركة بين بنك التسويات الدولية ومعهد التمويل الدولي.
وأشار ليفي وراماسوامي إلى المشروع باعتباره مثالًا على الجهود الرامية إلى إنشاء سجل موحد يدمج الأموال المُمثلة رقميًا للبنوك المركزية مع ودائع البنوك التجارية، بما يسمح بتنفيذ معاملات متعددة العملات.
وفي يوليو، أكمل بنك كوريا اختبارات لتحويل الاحتياطيات المُمثلة رقميًا ضمن مشروع أغورا، وشملت التجارب ست عملات وعدة سيناريوهات للمدفوعات العابرة للحدود.
وشملت العملات الوون الكوري، والدولار الأميركي، واليورو، والجنيه الإسترليني، والفرنك السويسري، والين الياباني.
كما شاركت في الاختبارات بنوك كورية جنوبية، من بينها كي بي كوكمين، ونونغ هيوب، وشينهان، ووري، وهانا.
وعالجت المؤسسات المشاركة معاملات بقيمة نحو 800 ألف فرنك سويسري عبر 17 سيناريو للدفع، شملت تسويات أحادية وثنائية العملة بين الشركات والبنوك، وتسويات صرف العملات الأجنبية مقابل الدفع، وتحويلات داخل المجموعة المالية نفسها.
تسلط دراسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس الضوء على مفارقة أساسية في الودائع المُمثلة رقميًا: فالتقنية التي يمكن أن تجعل المدفوعات المصرفية أسرع وأكثر قابلية للبرمجة وكفاءة قد تُضعف في الوقت نفسه إحدى أهم مزايا البنوك التجارية، وهي الاستقرار النسبي للودائع.
فإذا أصبح بإمكان العملاء نقل أموالهم فورًا إلى الجهة التي تقدم أعلى عائد، فقد تتراجع قدرة البنوك على التنبؤ بمدة بقاء الأموال المتاحة للإقراض. وقد يدفع ذلك المؤسسات إلى الاحتفاظ بمزيد من الأصول السائلة أو الاعتماد بشكل أكبر على التمويل بالجملة، بما قد يرفع تكلفة الائتمان.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الودائع المُمثلة رقميًا ستُضعف القطاع المصرفي. فالتأثير النهائي سيعتمد بدرجة كبيرة على كيفية تصميم البنية التحتية للسوق. وإذا تمكنت البنوك من إنشاء شبكات قابلة للتشغيل البيني مع الحفاظ على علاقاتها مع العملاء والودائع التشغيلية، فقد تستفيد من كفاءة البلوكتشين دون التعرض بالكامل لاضطراب نموذج التمويل الذي تحذر منه الدراسة.
وبالتالي، قد يكون التحول الأهم أن تمثيل الودائع رقميًا ينقلها من كونها التزامات مصرفية مستقرة نسبيًا إلى أصول رقمية سريعة الحركة. ومع استمرار البنوك الكبرى وسويفت والبنوك المركزية في بناء البنية التحتية اللازمة لهذه الحركة، قد تتغير قواعد المنافسة على الودائع وتمويل الإقراض بشكل كبير، حتى قبل أن تصبح الودائع المُمثلة رقميًا وسيلة دفع رئيسية.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
اختيارات المحرر

طبقة التنسيق المفقودة في توسع الأصول الرقمية المؤسسية
جوليان سوير
١٨ أغسطس ٢٠٢٦
5 دقيقة

ما وراء الوصول إلى الأصول الرقمية: كيف تبني ARP Digital بنية رأس المال الرقمي في الإمارات؟
انا ماريا قشوع
١٧ أغسطس ٢٠٢٦
8 دقيقة

مقابلة حصرية: بنجامين غروليموند يتحدث عن ترخيص VARA واستراتيجية نمو "فليبستر"
انا ماريا قشوع
٤ أغسطس ٢٠٢٦
4 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

إيثيريوم تتجه لتوحيد بيانات حالة الأسهم الممثلة رقميًا عبر ERC-8391
مكتب التحرير
٢٥ أغسطس ٢٠٢٦
9 د

ودائع الأصول الحقيقية في قطاع التمويل اللامركزي تسجل نموًا بمقدار 6 أضعاف خلال عام
مكتب التحرير
١٨ أغسطس ٢٠٢٦
7 د

الهند تعتزم إصدار سندات مؤسسية ممثلة رقميًا وتسويتها بالروبية الرقمية
مكتب التحرير
٢٦ أغسطس ٢٠٢٦
6 د

بيت وايز تطلق محافظ استثمارية احترافية للأسهم الممثلة رقميًا عبر البلوكتشين
مكتب التحرير
٢٦ أغسطس ٢٠٢٦
4 د



