تبنّي مؤسسي
مشاركة
يتيح بنك جي بي مورغان تشيس لعملائه من المؤسسات الآن استخدام البيتكوين والإيثيريوم كضمان للحصول على قروض بالدولار الأميركي، ما يضع الأصول الرقمية في الفئة نفسها التي تضم سندات الخزانة والأسهم القيادية.
وبالنسبة إلى بنك أمضى رئيسه التنفيذي سنوات في انتقاد البيتكوين، يمثل هذا التحول إعادة صياغة لكيفية انتقال رأس المال بين وول ستريت والشبكات اللامركزية، كما يفرض على المنافسين الإجابة عن السؤال نفسه: هل أصبحت الأصول الرقمية جزءًا من البنية الأساسية للتمويل المؤسسي؟
ولا تغادر الأصول المستخدمة كضمان محافظ التجميد البارد لدى جهات حفظ خارجية، مثل فيديليتي ديجيتال أسيتس وكوين بيس كاستودي، بينما تبقى الدولارات التي يتيحها البنك للعملاء حقيقية مثل أي خط ائتمان مدعوم بسندات حكومية.
وأطلق جي بي مورغان تشيس البرنامج في مارس 2026 عبر منصة كينكسيس للأصول الرقمية، لتبدأ بذلك موجة تنافسية قد تسهم في إعادة تشكيل قطاع الخدمات المصرفية للأصول الرقمية.
لطالما كان انتقاد جيمي ديمون العلني للبيتكوين سمة بارزة في مكالمات الأرباح وجلسات المؤتمرات منذ عام 2017 على الأقل. فقد وصفها بالاحتيال، وشبهها بهوس التوليب، وحذر موظفي البنك من تداولها.
ومع ذلك، استمر عملاء جي بي مورغان من المؤسسات في طلب التعرض للبيتكوين، بينما واصل البنك بهدوء بناء البنية التحتية اللازمة لتلبية هذا الطلب. وتتعامل منصة كينكسيس، المعروفة سابقًا باسم Onyx، حاليًا مع أكثر من 5 مليارات دولار من حجم المعاملات اليومية، كما عالجت أكثر من 3 تريليونات دولار من التسويات التراكمية منذ إطلاقها.
وبالتالي، لم يكن إدخال ضمانات الأصول الرقمية إلى هذه المنصة تحولًا جذريًا في مبادئ البنك، بل يمثل خطوة منطقية لنظام صُمم أصلًا لنقل القيمة الرقمية على نطاق واسع.
ويكشف هذا التطور الداخلي في جي بي مورغان عن قصة أكثر تعقيدًا مما توحي به التصريحات العلنية. ففي الوقت الذي كان فيه ديمون يصف البيتكوين بالاحتيال في رسائله إلى المساهمين، كان قسم التكنولوجيا في البنك يوظف مهندسي البلوكتشين، ويسجل براءات اختراع لأنظمة التسوية الممثلة رقميًا، ويبني البنية التحتية التي ستتحول لاحقًا إلى منصة كينكسيس.
وقد عمل فريق الأصول الرقمية بقدر من الاستقلالية مكّنه من بناء أنظمة جاهزة للاستخدام في بيئة الإنتاج، بينما واصل الرئيس التنفيذي التعبير عن شكوكه بشأن البيتكوين. وهذه الديناميكية، التي يسبق فيها الجانب الهندسي داخل المؤسسة الخطاب التنفيذي، ليست جديدة في المؤسسات المالية الكبرى؛ فقد ظهرت أنماط مشابهة مع المشتقات المالية في ثمانينيات القرن الماضي، والتداول الإلكتروني في تسعينياته، وصناعة السوق الخوارزمية في العقد الأول من الألفية الثانية.
وفي كثير من الحالات، يلحق الموقف العام بالاستثمار الداخلي عندما تصبح فرصة تحقيق الإيرادات كبيرة إلى درجة يصعب معها تجاهلها.
أبرز إريك ترامب هذه المفارقة خلال مؤتمر Consensus Miami 2026، مشيرًا إلى انتقال جي بي مورغان من «التشكيك الشديد في البيتكوين» إلى تقديم منتجات إقراض مدعومة بحيازات الأصول الرقمية خلال نحو 18 شهرًا.
وتكتسب هذه الفترة أهمية خاصة لأنها تختصر ما توقعه محللون من منحنى تبنٍّ يمتد لسنوات، وتحوله إلى سباق أقصر بكثير. فعندما يقبل أحد أكبر بنوك الإقراض في وول ستريت أصلًا رقميًا كضمان، فإن هذه الخطوة ترسل إشارة إلى إدارات الامتثال ولجان المخاطر ومجالس الإدارة في المؤسسات المالية الأخرى.
تحاكي آلية البرنامج عمليات إقراض الأوراق المالية التقليدية بدرجة أكبر مما توقعه كثير من المراقبين.
إذ يودع صندوق تحوط أو خزينة شركة عملات البيتكوين أو الإيثيريوم لدى جهة حفظ خارجية، مثل فيديليتي ديجيتال أسيتس أو كوين بيس كاستودي. ولا يستحوذ جي بي مورغان على الأصول الرقمية مباشرة، بل يتلقى إثباتًا للحفظ يؤكد الإيداع، بينما تسجل منصة كينكسيس الضمان على شبكة البلوكتشين الخاصة بها.
بعد ذلك، يحصل العميل على قرض بالدولار الأميركي، فيما تُستخدم حيازاته من الأصول الرقمية كضمان.
وتُحدّث بيانات الأسعار الفورية، المستقاة من مزودي خدمات الأوراكل، بما في ذلك تشين لينك، تقييم الأصول المستخدمة كضمان باستمرار. وإذا انخفضت قيمة الضمانات إلى ما دون حد محدد مسبقًا، يُصدر النظام تلقائيًا طلبًا لتغطية الهامش.
وعندها، يتعين على العميل إيداع ضمانات إضافية أو سداد جزء من القرض. وإذا لم يحدث أي من الأمرين خلال الفترة المحددة، يمكن لجهة الحفظ تصفية مركز الأصول الرقمية لتغطية النقص.
وبذلك، يمكن تنفيذ دورة الحياة بأكملها، من تقديم الضمان إلى طلب تغطية الهامش وصولًا إلى التصفية المحتملة، عبر بنية تقنية تعمل على مدار الساعة، ما يمثل تحولًا عن دورات المعالجة التقليدية لإدارة الضمانات.
من أبرز التفاصيل التي تميز برنامج جي بي مورغان عن منصات الإقراض المتخصصة في الأصول الرقمية الفصل بين الحفظ والائتمان.
فعلى منصات مثل Aave وCompound، توجد الضمانات ومجمع الإقراض ضمن البيئة نفسها للعقود الذكية، ما يعني أن خطأ في البروتوكول قد يعرض الجانبين للخطر في الوقت نفسه.
أما هيكل جي بي مورغان، فيفصل هذه الوظائف عمدًا بين كيانات مختلفة؛ فالبنك يقدم القرض، بينما تحتفظ جهة الحفظ بالأصول الرقمية، ويتولى مزود البيانات تقديم معلومات التسعير.
ويضيف هذا التقسيم قدرًا من التعقيد التشغيلي، لكنه يوفر طبقة إضافية من الحماية ضد المخاطر، إذ لا يعني فشل إحدى الطبقات انتقال المشكلة تلقائيًا إلى الطبقات الأخرى.
تستهدف المرحلة الأولى من البرنامج العملاء ذوي الملاءة المالية العالية والمؤسسات المالية، ولا تشمل في الوقت الحالي إتاحة الخدمة للأفراد.
ومع ذلك، تشير وثائق داخلية لبنك جي بي مورغان، أوردتها بلومبيرغ، إلى أن البنك يقيّم توسعًا تدريجيًا قد يشمل المستثمرين الأفراد المؤهلين بحلول منتصف عام 2027.
توضح نسب الخصم على الضمانات مدى جدية تعامل البنك مع الأصول الرقمية كفئة من الضمانات.
فعادةً ما تتراوح نسب الخصم على سندات الخزانة الأميركية بين 1% و5%، بما يعكس انخفاض تقلباتها وارتفاع سيولتها. أما سندات الشركات ذات التصنيف الاستثماري، فتتراوح نسب الخصم عليها عادةً بين 5% و15%، بينما يجذب الذهب، بحسب نوعه والجهة الحافظة، نسب خصم تتراوح بين 10% و25%.
في المقابل، تتراوح نسب الخصم التي أعلن عنها جي بي مورغان على ضمانات البيتكوين بين 30% و50%. ويعكس هذا النطاق تقلبات البيتكوين، التي تراوح متوسطها السنوي بين 50% و70% تقريبًا خلال السنوات الخمس الماضية. ومع ذلك، فإن قبول الأصل كضمان يمثل بحد ذاته تطورًا مهمًا في النظرة المؤسسية إليه.
وبالتالي، سيحصل العميل الذي يقدم مليون دولار أميركي من البيتكوين كضمان على قرض يتراوح بين 500 ألف و700 ألف دولار، بحسب نسبة الخصم المطبقة. وسيعتمد السعر النهائي للائتمان على الجدارة الائتمانية للعميل، ومدة القرض، وظروف السوق السائدة.
لا تبدو هذه النسب مرتفعة بشكل استثنائي مقارنةً بالتقديرات التاريخية. فعندما استكشفت غولدمان ساكس وغيرها من البنوك الكبرى إمكانية الإقراض المدعوم بالبيتكوين عبر اتفاقيات إعادة الشراء الثلاثية، أشارت نماذج داخلية إلى احتمالية فرض خصم يصل إلى 70%.
ويعكس التراجع من 70% إلى متوسط يقارب 40% خلال بضع سنوات فقط انخفاض التقلبات الفعلية مع نضوج الأصل، إلى جانب تحسن الثقة في البنية التحتية لحفظ الأصول.
وإذا استمر انخفاض التقلبات السنوية للبيتكوين، فقد تنخفض نسب الخصم مستقبلًا. ومن الممكن أن نشهد خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة خصمًا يقترب من 20% على ضمانات البيتكوين، وهو مستوى قد يجعله أقرب إلى بعض فئات سندات الشركات ذات العائد المرتفع.
يقبل برنامج جي بي مورغان عملة الإيثيريوم إلى جانب البيتكوين، إلا أن الأصلين يحتلان مكانة مختلفة في التسلسل الهرمي للضمانات المؤسسية.
وقد أشار محللو جي بي مورغان أنفسهم إلى أن البيتكوين قد تتفوق بشكل حاسم باعتبارها أصلًا أساسيًا للمؤسسات، إذ استعادت صناديق الاستثمار المتداولة في البيتكوين نحو ثلثي التدفقات الخارجة في أكتوبر 2025، بينما استعادت صناديق الاستثمار المتداولة في الإيثيريوم نحو ثلثها فقط.
ويكتسب هذا التباين أهمية خاصة عند تقييم الضمانات، لأنه يؤثر في كيفية نمذجة البنوك للمخاطر. فالعلاقة بين البيتكوين والأسهم والذهب وأسعار الفائدة الحقيقية أصبحت مفهومة بصورة أفضل وأكثر استقرارًا من علاقة الإيثيريوم بهذه الأصول.
في المقابل، يتعين على لجان المخاطر التي تقيّم ضمانات الإيثيريوم أخذ عوامل إضافية في الاعتبار، مثل مخاطر العقود الذكية، وترقيات الشبكة، واحتمال انخفاض نشاط التمويل اللامركزي على إيثيريوم، ما قد يقلل الطلب الأساسي على العملة.
وتبرر هذه العوامل فرض خصومات أكبر على الإيثيريوم مقارنةً بالبيتكوين، وتشير التقارير إلى أن نماذج المخاطر المصرفية الداخلية تعكس هذا التباين.
لا تزال غالبية الأصول الرقمية الأخرى بعيدة عن استيفاء معايير الضمانات المصرفية. وستبقى الممثلات الرقمية منخفضة السيولة، والأصول ذات السجلات الأقصر، وتلك التي تفتقر إلى وضوح تنظيمي كافٍ، خارج إطار الضمانات المصرفية في المستقبل المنظور.
وبالتالي، تتسع الفجوة بين البيتكوين والإيثيريوم من جهة، وبقية الأصول الرقمية من جهة أخرى، مع تطور البنية التحتية المؤسسية، بدلًا من أن تضيق.
فعلى سبيل المثال، لا تُدرج سولانا، رغم استخدامها في أول إصدار للأوراق التجارية العامة من جانب جي بي مورغان على شبكة بلوكتشين، ضمن قائمة الضمانات. وينطبق الأمر نفسه على العملات المستقرة والممثلات الرقمية المغلفة وممثلات الحوكمة الرقمية.
وتُعد عتبة استيفاء معايير الضمانات في النظام المصرفي التقليدي أعلى بكثير من عتبة الإدراج في منصات التداول، وهو تمييز قد يؤثر في تخصيص رأس المال للأصول الرقمية خلال السنوات المقبلة.
بالنسبة إلى الإيثيريوم تحديدًا، يمر الطريق نحو خفض خصم الضمانات عبر إثبات جدوى الشبكة على المدى الطويل.
فإذا استقرت عوائد التجميد، ونما نشاط شبكات الطبقة الثانية، وتوسعت عملية التمثيل الرقمي للأصول الحقيقية على إيثيريوم بشكل ملحوظ، فقد تتعامل لجان المخاطر في نهاية المطاف مع ضمانات الإيثيريوم بشروط أقرب إلى شروط البيتكوين.
لكن هذا التقارب ليس مضمونًا، وتشير البيانات الحالية إلى أن الفجوة بين الأصلين لا تزال قائمة.
إلى ذلك، تكمن أهمية خطوة جي بي مورغان في أنها تنقل الأصول الرقمية من مرحلة "الأصل القابل للاستثمار" إلى مرحلة "الأصل القابل للاستخدام في النظام المالي". فقبول البيتكوين والإيثيريوم كضمان لا يتعلق فقط بتوفير قروض جديدة، بل بإدخالهما في دورة رأس المال المؤسسية وربطهما بأدوات الائتمان التقليدية.
لكن الأهم هو أن هذا التطور قد يعيد ترتيب سوق الأصول الرقمية نفسه. فمع ارتفاع متطلبات البنوك المتعلقة بالسيولة والحفظ والامتثال وإدارة المخاطر، قد يصبح امتلاك بنية تحتية مؤسسية قوية أكثر أهمية من مجرد إدراج الأصل في منصات التداول.
ومن هنا، قد تتجه السوق تدريجيًا نحو فصل واضح بين أصول رقمية قادرة على الاندماج في النظام المالي وأخرى تظل محصورة في الأسواق الرقمية الأكثر مضاربة.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
اختيارات المحرر

ما وراء الوصول إلى الأصول الرقمية: كيف تبني ARP Digital بنية رأس المال الرقمي في الإمارات؟
انا ماريا قشوع
١٧ أغسطس ٢٠٢٦
8 دقيقة

مقابلة حصرية: بنجامين غروليموند يتحدث عن ترخيص VARA واستراتيجية نمو "فليبستر"
انا ماريا قشوع
٤ أغسطس ٢٠٢٦
4 دقيقة

اليورو الرقمي: مشروع سيادة أوروبي يواجه أزمة طلب
وليد أبو زكي
١٠ يوليو ٢٠٢٦
9 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

ما وراء الوصول إلى الأصول الرقمية: كيف تبني ARP Digital بنية رأس المال الرقمي في الإمارات؟
انا ماريا قشوع
١٧ أغسطس ٢٠٢٦
8 د

SEC تتيح لصناديق فرانكلين تمبلتون الاستفادة من BENJI القائم على البلوكتشين لإدارة النقد
مكتب التحرير
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
4 د

بنك نيويورك يطلق خدمة تجميد العملات الرقمية للمؤسسات بالشراكة مع Galaxy
مكتب التحرير
٥ أغسطس ٢٠٢٦
3 د

روسيا تقترح إدراج البيتكوين والإيثيريوم وUSDT في سوق التداول المنظم
مكتب التحرير
١٢ أغسطس ٢٠٢٦
5 د



