تشريعات وسياسات
مشاركة

وأ
الرئيس التنفيذي & رئيس التحرير
أصدرت هيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية (ESMA) تحذيراً في يوليو 2026 يُلزم أسواق التوقعات بالامتثال للأطر التنظيمية القائمة، مؤكدةً أن تغيير المسمى لا يُغيّر طبيعة المنتج المالي أو القانونية. يأتي هذا في سياق قضايا بارزة تخص منصتَي كالشي وبوليماركت، ودخول ADI Predictstreet شريكاً رسمياً لكأس العالم 2026، مما يُعجّل بنهاية المرحلة الرمادية لهذا القطاع.
دخلت أسواق التوقعات مرحلة جديدة من التدقيق التنظيمي.
لسنوات، حاولت هذه المنصات تقديم نفسها بوصفها أدوات لقياس احتمالات المستقبل. فهي لا تقول عادة إنها منصات مراهنة، بل تستخدم عبارات مثل “أسواق معلومات”، أو “عقود أحداث”، أو “منصات توقع”، أو أدوات لالتقاط رؤية الجمهور حول ما قد يحدث لاحقاً.
لكن الجهات التنظيمية بدأت تنظر إلى ما هو أبعد من اللغة المستخدمة.
في يوليو 2026، ذكّرتهيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية (ESMA) الشركات بأن بعض المنتجات المعروضة تحت مسمى عقود الأحداث أو أسواق التوقعات قد تخضع فعلياً لقواعد قائمة تتعلق بالخيارات الثنائية، أو بالمشتقات المالية، أو حتى بقوانين المقامرة الوطنية داخل الدول الأوروبية.
الرسالة واضحة: الاسم لا يغيّر طبيعة المنتج.
إذا كان المستخدم يضع مالاً على نتيجة مستقبلية، ويحصل على ربح أو يخسر بناءً على تحقق هذه النتيجة، فإن السؤال التنظيمي يصبح مشروعاً. هل نحن أمام منتج مالي؟ هل هو عقد مشتق؟ هل هو مراهنة؟ أم أنه فئة هجينة تحتاج إلى قواعد خاصة بها؟
أسواق التوقعات ليست فكرة جديدة تماماً. الجديد هو أنها تعود اليوم بتقنية أفضل، وواجهات أسهل، وربط أوضح بعالم الكريبتو والبلوكتشين، وأحياناً بدعم من بنى تحتية مالية أو رياضية كبيرة.
الفكرة بسيطة. يختار المستخدم حدثاً مستقبلياً: هل سيخفض الاحتياطي الفيدرالي الفائدة؟ هل سيفوز فريق معيّن؟ هل سيحدث تطور سياسي أو اقتصادي محدد؟ ثم يشتري مركزاً يعبر عن “نعم” أو “لا”. إذا كان توقعه صحيحاً، يربح. وإذا لم يتحقق، يخسر.
هذه البساطة هي جزء من جاذبية المنتج، لكنها أيضاً مصدر الإشكال التنظيمي.
فمن جهة، يمكن القول إن هذه الأسواق تنتج إشارات مفيدة حول توقعات الجمهور. ومن جهة أخرى، تبدو الكثير من هذه العقود قريبة جداً من المراهنة، خصوصاً عندما يكون الحدث رياضياً، أو سياسياً، أو قائماً على نتيجة ثنائية واضحة.
لذلك لا يكفي القول إن أسواق التوقعات “ابتكار”. قد تكون كذلك. لكن الابتكار لا يلغي الأسئلة القديمة حول حماية المستخدمين، والتلاعب، والمعلومات الداخلية، والقواعد العابرة للحدود.
تحذير ESMA لا يعني حظر جميع أسواق التوقعات. لكنه يعني أن هذه الأسواق لن تبقى خارج الرقابة لمجرد أنها تستخدم لغة جديدة. فالهيئة الأوروبية ركزت على عقود الأحداث التي تعطي نتيجة مالية ثنائية، أي دفعاً ثابتاً إذا تحقق الحدث أو خسارة إذا لم يتحقق.
وهذا ما دفع ESMA إلى التذكير بأن بعض عقود الأحداث، عندما تُصنّف كأدوات مالية، قد تقع ضمن القيود الأوروبية القائمة على الخيارات الثنائية، بما في ذلك القيود المفروضة على تسويقها أو توزيعها أو بيعها للمستثمرين الأفراد. كما أشارت الهيئة إلى أن بعض هذه العقود قد تُعامل كرهانات بموجب قوانين المقامرة الوطنية، ما يعني أن المنتج نفسه قد يُنظر إليه كأداة مالية في سياق معيّن، وكمراهنة في سياق آخر، بحسب طبيعة الحدث، وطريقة الدفع، والجمهور المستهدف، والولاية التنظيمية.
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية. المنتج نفسه قد يبدو كأداة مالية في سوق، ومراهنة غير مرخصة في سوق آخر.
في الولايات المتحدة، تقدم كالشي (Kalshi)المثال الأوضح على هذا الصراع.
الشركة ترى أن عقود الأحداث التي تقدمها تقع تحت إشراف لجنة تداول السلع الآجلة (CFTC)، أي ضمن منطق المنتجات المالية المنظمة. لكن عدداً من السلطات المحلية في الولايات المتحدة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالرياضة، ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة: هذه ليست مشتقات مالية فحسب، بل قد تكون مراهنة رياضية تحتاج إلى ترخيص محلي.
هذا التوتر ظهر بوضوح في ولاية ميشيغان، حيث أوقف قاضٍ مؤقتاً كالشي عن السماح للمقيمين في الولاية بالمشاركة في عقود مرتبطة بالأحداث الرياضية، بعد اتهامات بأنها تخالف قوانين الألعاب والمراهنة في الولاية.
القضية تكشف سؤالاً أساسياً: من يملك حق تصنيف هذه المنتجات؟ الجهة الفدرالية التي ترى فيها عقود أحداث مالية، أم الجهات المحلية التي ترى فيها مراهنة على نتائج رياضية؟
هذا السؤال لن يبقى أمريكياً فقط. مع توسع أسواق التوقعات عالمياً، ستظهر المشكلة نفسها في ولايات وأسواق أخرى: الترخيص في دولة أو تحت جهة واحدة لا يعني بالضرورة قبول المنتج في كل مكان.
إذا كانت كالشي تكشف صراع الاختصاص، فإن بوليماركت (Polymarket)تكشف خطراً آخر: المعلومات الداخلية.
في 2026، أعلنت الجهات الأمريكية عن قضايا تتعلق بتداولات على بوليماركت استخدمت، وفق الاتهامات، معلومات غير عامة. في إحدى القضايا، اتُّهم عنصر في الجيش الأمريكي باستخدام معلومات حساسة مرتبطة بالعملية العسكرية لإعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو للتداول على عقود أحداث. وفي قضية أخرى، اتُّهم موظف في غوغل باستخدام معلومات داخلية مرتبطة ببيانات بحث غير معلنة للتداول على عقود توقع.
هذه الحالات مهمة لأنها تنقل النقاش من سؤال “هل هي مراهنة؟” إلى سؤال أعمق: هل تملك هذه المنصات آليات كافية لمنع إساءة استخدام المعلومات؟
في الأسواق المالية التقليدية، توجد قواعد صارمة ضد التداول بناءً على معلومات داخلية، لأن ذلك يضرب عدالة السوق. لكن أسواق التوقعات توسّع نطاق الخطر. فالمعلومة الداخلية قد لا تكون مرتبطة بسهم أو شركة مدرجة فقط، بل بعملية عسكرية، أو قرار حكومي، أو نتيجة رياضية، أو بيانات شركة، أو إعلان تقني، أو حدث سياسي.
كلما زادت أنواع الأحداث القابلة للتداول، زادت احتمالات ظهور هذا النوع من المخاطر.
القصة لا تقف عند أوروبا والولايات المتحدة. دخولADI Predictstreet إلى مشهد كأس العالم 2026 يمنح النقاش بعداً أوسع، خصوصاً للمنطقة.
فقد ظهرتADI Predictstreet كشريك رسمي لفئة أسواق التوقعات في كأس العالم FIFA 2026، ما ينقل هذا النوع من المنتجات من دوائر الكريبتو والمتداولين المتخصصين إلى جمهور رياضي واسع. هنا لا نتحدث فقط عن منصة يزورها مستخدمون يبحثون عن عقود أحداث، بل عن منتج مرتبط بواحدة من أكبر المناسبات الرياضية في العالم.
اللافت أن الترخيص التنظيمي للمنصة جاء من جبل طارق، وليس من داخل الاتحاد الأوروبي أو ضمن إطار .MiCAكما أن التغطيات المتخصصة وصفت الترخيص باعتباره مرتبطاً بإطار مراهنة أو وسيط رهان، لا بمجرد ترخيص كريبتو تقليدي.
هذه النقطة لا تعني وجود مخالفة. لكنها تكشف طبيعة التصنيف الذي ما زال يلاحق هذا القطاع. حتى عندما يستخدم المنتج لغة التوقعات والابتكار والتفاعل مع الجمهور، تبقى الجهات التنظيمية قريبة من سؤال المراهنة، خصوصاً عندما تكون الأحداث رياضية وتستهدف جمهوراً واسعاً.
بالنسبة إلى المنطقة، يطرح هذا المثال سؤالاً مهماً: إذا كانت أسواق التوقعات مبنية على بنية رقمية أو بلوكتشين، لكنها تُرخص في مكان آخر ضمن منطق قريب من المراهنة، فكيف ستتعامل معها الجهات التنظيمية في أسواق مثل الإمارات والخليج؟
هل ستُعامل كمنتج مالي؟ كأداة ترفيه وتفاعل رياضي؟ كمنصة مراهنة؟ أم كفئة جديدة تحتاج إلى إطار خاص؟
أسواق التوقعات تحاول أن تبني فئة جديدة بين السوق والمراهنة. وهي تملك بعض الحجج القوية. فقد تنتج أسعاراً تعكس توقعات الجمهور، وتوفر إشارات عن احتمالات الأحداث، وتخلق تجربة تفاعلية مختلفة عن المراهنة التقليدية.
لكن هذه الحجج لا تكفي لإلغاء المخاطر.
عندما يكون العائد قائماً على نتيجة ثنائية، ستظهر أسئلة الخيارات الثنائية.
وعندما يكون الحدث رياضياً، ستظهر أسئلة المراهنة.
وعندما يكون الحدث مالياً، ستظهر أسئلة المشتقات.
وعندما يستطيع بعض الأفراد الوصول إلى معلومات غير عامة، ستظهر أسئلة التداول بناءً على معلومات داخلية.
وعندما يعمل المنتج عبر الحدود، ستظهر أسئلة الترخيص والاختصاص.
لهذا، يبدو أن تحذير ESMA ليس حدثاً منفصلاً، بل إشارة إلى مرحلة جديدة. أسواق التوقعات لن تختفي، لكنها لن تبقى أيضاً في المساحة الرمادية نفسها.
القطاع قد يستمر في النمو، وربما يثبت أنه قادر على إنتاج قيمة حقيقية في قياس التوقعات. لكن طريقه إلى التوسع سيمر عبر قواعد أوضح، وتصنيفات أدق، ومساءلة أكبر.
السؤال لم يعد ما إذا كانت أسواق التوقعات مبتكرة. السؤال هو: هل تستطيع أن تثبت أنها أكثر من مراهنة رقمية بواجهة مالية؟
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
اختيارات المحرر

استشارة مجموعة العمل المالي حول R.16 : ماذا تعني لمدفوعات العملات المستقرة؟
وليد أبو زكي
٢٥ يونيو ٢٠٢٦
7 دقيقة

إنفينيام تستحوذ على مانترا بعد رهان بـ20 مليون دولار عقب الأزمة
وليد أبو زكي
١٧ يونيو ٢٠٢٦
8 دقيقة

إم جي إكس وفينيكس تضعان رأس المال الإماراتي خلف صعود فرنسا في الذكاء الاصطناعي
وليد أبو زكي
١٠ يونيو ٢٠٢٦
9 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

الهيئة الأوروبية تطلب من مقدمي خدمات الأصول الرقمية غير المرخصين مغادرة السوق الأوروبية
وليد أبو زكي
٢٣ يونيو ٢٠٢٦
5 د

دعم أول من جهات إنفاذ القانون يعزز زخم مشروع قانون كلاريتي لتنظيم الأصول الرقمية
مكتب التحرير
٣ يوليو ٢٠٢٦
3 د

سلطة تنظيم الأصول الافتراضية تُصدر الترخيص رقم 50 لمزوّدي خدمات الأصول الرقمية في دبي
مكتب التحرير
٢ يوليو ٢٠٢٦
3 د

ترامب يحقق 1.2 مليار دولار من العملات الرقمية ضمن إفصاحه المالي لعام 2025
مكتب التحرير
١ يوليو ٢٠٢٦
3 د



