تشريعات وسياسات
مشاركة
فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي الكونغرس الأميركي يعيد رسم تنظيم العملات الرقمية، مع دراسة إطار بديل يوسّع صلاحيات هيئة الأوراق المالية والبورصات على حساب هيئة تداول السلع الآجلة، مما يهدد مستقبل قانون كلاريتي.
يُمهد فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي الكونغرس الأميركي الطريق أمام نهج مختلف لتنظيم العملات الرقمية، إذ يُفيد بأن نواب مجلس النواب يدرسون مشروع قانون بديل لهيكلة السوق، من شأنه توسيع الصلاحيات الرقابية لهيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، وتعزيز حماية المستثمرين.
وقد تُعقّد هذه المناقشات مستقبل قانون وضوح سوق الأصول الرقمية (قانون كلاريتي)، الذي أخفق في اجتياز تصويت إجرائي في مجلس الشيوخ في سبتمبر 2026، بنتيجة 49 صوتاً مقابل 50. ويسعى هذا التشريع، الذي يُعدّ من أولويات قطاع العملات الرقمية، إلى إرساء فصل أوضح للصلاحيات التنظيمية بين هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية وهيئة تداول السلع الآجلة.
وفي هذا السياق، يناقش الديمقراطيون في مجلس النواب مقترحاً يستند إلى تعديل سابق قدمته النائبة ماكسين ووترز لقانون حقوق مستثمري ومستهلكي العملات الرقمية، إلى جانب بنود سبق أن طالب بها النواب الديمقراطيون خلال المفاوضات المتعلقة بقانون كلاريتي.
وتأتي هذه المناقشات عقب فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي التي أُجريت في 3 نوفمبر، ما سيمنح الحزب السيطرة على مجلسي الكونغرس مع بدء ولاية المجلس الجديد في يناير 2027. ومن المتوقع أن تتولى ووترز، أبرز الديمقراطيين في لجنة الخدمات المالية بمجلس النواب، رئاسة اللجنة خلفاً للنائب الجمهوري فرينش هيل.
ولم يُنشر أي نص تشريعي للمقترح حتى الآن، إذ تستند المعلومات المتداولة إلى ثلاثة مصادر من القطاع مطلعة على المحادثات التي شارك فيها موظفون ديمقراطيون.
قد يلغي الإطار التنظيمي الذي يناقشه الديمقراطيون أحد أبرز محاور قانون كلاريتي المدعوم من الجمهوريين، والمتمثل في توسيع الصلاحيات التنظيمية لهيئة تداول السلع الآجلة على أسواق الأصول الرقمية.
فبموجب قانون كلاريتي، ستخضع معظم أنشطة تداول السلع الرقمية، بما فيها عمليات البورصات والوسطاء والتجار، لإشراف هيئة تداول السلع الآجلة، في مقابل تقليص دور هيئة الأوراق المالية والبورصات في الإشراف على بعض الأصول الرقمية، ولا سيما الرموز المرتبطة بشبكات بلوكتشين المتطورة.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة، نظراً إلى اختلاف اختصاصات الهيئتين؛ إذ تتولى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية الإشراف على أسواق الأوراق المالية وفرض متطلبات الإفصاح والإبلاغ، بما يساعد المستثمرين على تقييم مخاطر استثماراتهم. في المقابل، تختص هيئة تداول السلع الآجلة بتنظيم أسواق المشتقات المالية، بما فيها العقود الآجلة، فيما تظل صلاحياتها محدودة في ما يتعلق بالتداول الفوري للعملات الرقمية.
وانطلاقاً من ذلك، حذّر مشرعون ديمقراطيون من أن قانون كلاريتي قد يسمح لبعض الأصول الرقمية بالخروج من نطاق الرقابة الصارمة المفروضة على الأوراق المالية، الأمر الذي قد يُضعف متطلبات الإفصاح وغيرها من الضمانات المخصصة لحماية المستثمرين.
وبحسب التقارير، يهدف المقترح البديل قيد المناقشة إلى توسيع دور هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، بالتزامن مع تقليص صلاحيات هيئة تداول السلع الآجلة. وقد يتضمن أيضاً بنوداً من مشروع قانون حقوق مستثمري ومستهلكي العملات الرقمية الذي اقترحته ووترز، وقدّمته كتعديل لقانون كلاريتي في يوليو 2025، لكنه لم يُطرح للتصويت في مجلس النواب.
وتشمل هذه البنود توفير دعم للعملاء على مدار الساعة، وفرض متطلبات تأمين أو توفير حماية مماثلة لتلك التي تقدمها مؤسسة حماية مستثمري الأوراق المالية، إلى جانب الالتزامات الائتمانية وضمانات التنفيذ الأمثل للصفقات وتدابير مكافحة التداول بناءً على معلومات داخلية.
كما تتضمن التدابير المقترحة ترتيبات لحماية أصول العملاء وحفظها عن بُعد في حالات الإفلاس، وإتاحة عمليات السحب خلال 24 ساعة، فضلاً عن تقديم تقارير شهرية لإثبات الاحتياطيات، على أن يتحقق منها مدققون مستقلون.
ولا تقتصر المناقشات على حماية المستثمرين، إذ قد يشمل المقترح أيضاً فرض قيود على الأنشطة المرتبطة بالعملات الرقمية التي يمارسها الرئيس دونالد ترامب ومسؤولون اتحاديون آخرون، ما يعيد مسألة تضارب المصالح المحتمل إلى صلب النقاش التشريعي.
يضيف التحول السياسي عقبة جديدة أمام قانون كلاريتي، الذي أقره مجلس النواب في يوليو 2025 بأغلبية 294 صوتاً مقابل 134، لكنه أخفق في الحصول على الدعم الإجرائي اللازم للمضي قدماً في مجلس الشيوخ خلال سبتمبر 2026.
ورغم إمكانية إعادة إحياء المشروع خلال الفترة الفاصلة بين الانتخابات ونهاية ولاية الكونغرس الحالي، المعروفة بدورة البطة العرجاء، فإن انتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين قد يجعل تمريره أكثر صعوبة خلال المرحلة المقبلة.
وفي تصريحات لقناة سي إن بي سي، وصف لي راينرز، الخبير في تنظيم العملات الرقمية والمحاضر في الاقتصاد بجامعة ديوك، مشروع قانون كلاريتي بأنه «ميت فعلياً»، مع عدم استبعاده تماماً إمكانية إحيائه في اللحظات الأخيرة.
من جهته، أشار مارتن موليادي، أستاذ المحاسبة في جامعة شيناندوا، إلى أن أي نسخة جديدة من تشريعات هيكلة السوق ستحتاج على الأرجح إلى معالجة مخاوف الديمقراطيين المتعلقة بحماية المستثمرين وتضارب المصالح المرتبط بأنشطة ترامب في قطاع العملات الرقمية.
وقال موليادي للقناة إن الانتخابات لا تنهي التشريعات المتعلقة بهيكلة سوق العملات الرقمية، بل تغيّر الجهات التي ستتولى صياغة المسودة المقبلة.
ومع ذلك، لا يعني هذا التحول استبعاد إمكانية التوصل إلى تشريع يحظى بدعم الحزبين؛ فقد سبق أن أيد أكثر من 70 نائباً ديمقراطياً في مجلس النواب قانون كلاريتي، وفقاً لتعليقات نقلها موقع كوين ديسك عن جهات في القطاع. ويرى بعض العاملين في المجال أن إدراج تدابير إضافية لحماية المستهلك وضمانات لمنع تضارب المصالح قد يفتح المجال أمام صياغة إطار تنظيمي معدّل يحظى بتوافق أوسع.
لكن أي مشروع قانون جديد يقترحه الديمقراطيون سيظل بحاجة إلى تأييد عدد كافٍ من الجمهوريين، فضلاً عن موافقة الرئيس وتوقيعه حتى يدخل حيز التنفيذ.
على الرغم من التغييرات التشريعية المحتملة، فمن غير المرجح أن يؤدي تبدل موازين القوى في الكونغرس إلى تغيير فوري في كيفية شراء الأميركيين للعملات الرقمية أو بيعها أو الاحتفاظ بها.
ويعود ذلك إلى استمرار المسؤولين الفيدراليين الذين عُيّنوا خلال إدارة ترامب في مناصبهم، ما يسمح لهيئة الأوراق المالية والبورصات وهيئة تداول السلع الآجلة بمواصلة سياساتهما التنظيمية الحالية والموافقة على منتجات جديدة في القطاع.
وبناءً على ذلك، يُتوقع أن تواصل منصات التداول تقديم منتجاتها الحالية في ظل البيئة التنظيمية القائمة. غير أن التأثيرات طويلة الأمد قد تظهر بصورة أوضح على المنتجات التي لا تزال تسعى إلى توسيع نطاق وصولها إلى السوق.
وفي هذا الإطار، صرّح مايك كاتز، المتخصص في الأصول الرقمية وشريك الخدمات المالية في شركة مانات، لقناة سي إن بي سي بأن الأسهم والحسابات الممثلة رقمياً التي تقدم عوائد على حيازات العملات الرقمية قد تواجه تأخيراً في إطلاقها، أو قيوداً إضافية، أو متطلبات أكثر صرامة لحماية المستثمرين، مع اتساع نفوذ الديمقراطيين على السياسات المنظمة للقطاع.
وفي الوقت نفسه، تستطيع هيئة الأوراق المالية والبورصات وهيئة تداول السلع الآجلة مواصلة تطوير القواعد التنظيمية المتعلقة بالعملات الرقمية حتى في غياب تشريع شامل من الكونغرس. لكن القواعد الصادرة عن الهيئات التنظيمية قد تكون أكثر عرضة للإلغاء عند وصول إدارات جديدة إلى السلطة، مقارنة بالتشريعات التي يقرها الكونغرس.
وبالنسبة إلى المستثمرين، يعني ذلك أن البيئة التنظيمية الحالية قد تستمر دون تغييرات جوهرية على المدى القريب، رغم تزايد الغموض بشأن توجهات التشريع في السنوات المقبلة.
كذلك، لا يعني تشديد الرقابة بالضرورة تراجع أسعار العملات الرقمية، إذ تظل تقييمات الأصول الرقمية مرتبطة بعوامل أوسع، تشمل ظروف الأسواق، ومستويات طلب المستثمرين، وأسعار الفائدة.
يعكس الخلاف حول قانون كلاريتي تحدياً يتجاوز تحديد الجهة التنظيمية المسؤولة عن الإشراف على الأصول الرقمية، ويتعلق بطبيعة الإطار الذي سيحكم تطور القطاع خلال السنوات المقبلة. فتوسيع صلاحيات هيئة الأوراق المالية والبورصات قد يعزز متطلبات الإفصاح والمساءلة، لكنه قد يفرض في المقابل أعباء إضافية على الشركات التي تطور منتجات وخدمات جديدة.
وفي المقابل، فإن منح هيئة تداول السلع الآجلة دوراً أكبر لا يحسم بالضرورة جميع الإشكالات التنظيمية، خصوصاً في ظل تنوع نماذج الأعمال واختلاف طبيعة الأصول الرقمية وحقوق حامليها. لذلك، لن يكون التحدي أمام الكونغرس الجديد مجرد إعادة صياغة قانون كلاريتي، بل وضع قواعد واضحة وقابلة للتطبيق تميّز بين الأنشطة والمخاطر المختلفة، وتحمي المستثمرين من دون الحد من قدرة القطاع على الابتكار والنمو.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
اختيارات المحرر
في نفس المجال

قطاع العملات الرقمية ينفق 176 مليون دولار للتأثير في التشريعات الأميركية
مكتب التحرير
٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦
4 د

اختراق بينانس بـ6.3 مليارات دولار: كيف فتح حاسوب واحد الباب؟
وليد أبو زكي
٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦
15 د

سلطة تنظيم الأصول الافتراضية توسّع ترخيص بريبكو مع تطور سوق العقارات الممثلة رقمياً
سلمى نويهض
٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦
5 د

كندا تمهّد لتنظيم العملات المستقرة مع قيود على العوائد ومتطلبات رقابية جديدة
مكتب التحرير
٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦
6 د



