أسواق
مشاركة
سجلت صناديق البيتكوين الفورية المتداولة في البورصة الأميركية موجة جديدة من التدفقات الخارجة، بالتزامن مع تراجع البيتكوين بعد فشل مجلس الشيوخ الأميركي في دفع مشروع قانون رئيسي لتنظيم سوق الأصول الرقمية إلى المرحلة التالية.
وأظهرت بيانات شركة “فارسايد” أن صناديق البيتكوين الفورية سجلت في 15 سبتمبر صافي تدفقات خارجة بنحو 288.7 مليون دولار، بعد أن حققت تدفقات داخلة بلغت 159.9 مليون دولار في الجلسة السابقة. وشملت التدفقات الخارجة خصوصاً صندوق «FBTC» التابع لشركة «فيدليتي»، الذي فقد 214.8 مليون دولار، إلى جانب «ARKB» من «ARK Invest» و«21Shares» بنحو 17.4 مليون دولار، و«BITB» من «Bitwise» بنحو 12.4 مليون دولار، و«GBTC» من «Grayscale» بنحو 44.1 مليون دولار.
وتأتي هذه الحركة في وقت اتجهت فيه الأسواق إلى تقليص الانكشاف على الأصول الرقمية عقب التصويت الإجرائي في مجلس الشيوخ على قانون “كلاريتي”. وكان المجلس قد صوّت بنتيجة 50 صوتاً مقابل 49، وهي نتيجة لم تبلغ عتبة الـ60 صوتاً المطلوبة لإنهاء النقاش والمضي قدماً في مشروع القانون.
وكانت صناديق البيتكوين الفورية قد شهدت في يونيو/حزيران موجة خروج أكبر بكثير، إذ سجلت في 24 يونيو تدفقات خارجة بلغت نحو 469 مليون دولار، وفق بيانات Farside، وسط تراجع حاد في سعر البيتكوين آنذاك.
جاءت عمليات السحب من صناديق البيتكوين بعد تعثر مشروع قانون كلاريتي، الذي يهدف إلى وضع إطار اتحادي شامل لتنظيم سوق الأصول الرقمية في الولايات المتحدة.
ويحدد المشروع أدوار الجهات التنظيمية الفيدرالية، وعلى رأسها هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC) وهيئة تداول السلع الآجلة (CFTC)، كما يتناول تعريف الأصول الرقمية وقواعد عرضها وبيعها، إلى جانب تنظيم منصات التداول والوسطاء وبعض المشاركين الآخرين في السوق. وينص النص الأصلي للمشروع على إنشاء إطار قانوني جديد للأصول الرقمية وتحديد نطاق الاختصاص بين القوانين والجهات التنظيمية القائمة.
وكان مشروع القانون قد قطع شوطاً مهماً في مايو، عندما دفعته لجنة الخدمات المصرفية في مجلس الشيوخ إلى الأمام بعد تصويت من الحزبين بنتيجة 15 مقابل 9. إلا أن المفاوضات اللاحقة كشفت عن خلافات أعمق حول العملات المستقرة، والضمانات المتعلقة بتضارب المصالح، وصلاحيات الجهات التنظيمية.
وبالتالي، لم يكن التصويت الأخير مجرد خلاف حول التعريفات التنظيمية للأصول الرقمية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بأسئلة أوسع حول العلاقة بين شركات الأصول الرقمية والنظام المصرفي التقليدي، فضلاً عن الضوابط الأخلاقية المفروضة على المسؤولين السياسيين.
ومن أبرز نقاط الخلاف التي ظهرت خلال المفاوضات مسألة المكافآت والعوائد المرتبطة بحيازة العملات المستقرة.
فقد تضمّن النص الذي ناقشته لجنة الخدمات المصرفية في مجلس الشيوخ أحكاماً تحظر على بعض مقدمي خدمات الأصول الرقمية والجهات التابعة لهم دفع فوائد أو عوائد سلبية شبيهة بعوائد الودائع على أرصدة العملات المستقرة المخصصة للدفع، مع ترك مجال لمكافآت مرتبطة بنشاط حقيقي أو بعمليات معينة وفق قواعد مشتركة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن العملات المستقرة، ولا سيما تلك المرتبطة بالدولار، يمكن أن تُستخدم للاحتفاظ بالقيمة وإجراء المدفوعات وتسوية المعاملات الرقمية. وبالتالي، فإن تقديم عوائد أو مكافآت لحامليها قد يجعلها أكثر قدرة على المنافسة مع بعض المنتجات المصرفية التقليدية.
وكان قانون «GENIUS» للعملات المستقرة، الذي أُقر في 2025، قد وضع إطاراً فيدرالياً للعملات المستقرة المخصصة للدفع، مع منع الجهات المصدرة من دفع فوائد لحاملي هذه العملات. كما فرض متطلبات تتعلق بالاحتياطيات والاسترداد والإفصاح ومكافحة غسل الأموال.
لكن الخلاف اللاحق تركز بدرجة أكبر على ما إذا كان ينبغي السماح للبورصات والمنصات ومقدمي الخدمات الآخرين بتقديم مكافآت مرتبطة باستخدام العملات المستقرة أو بنشاط المستخدمين.
بالنسبة إلى القطاع المصرفي، لا يتعلق النقاش بمسألة تقنية أو قانونية فقط، بل بنموذج التمويل الذي تعتمد عليه البنوك.
فالودائع تمثل مصدراً رئيسياً لتمويل الإقراض المصرفي. ولذلك، تخشى بعض المؤسسات المصرفية من أن يؤدي انتشار العملات المستقرة القابلة للاستخدام في المدفوعات، خصوصاً إذا ارتبطت بمكافآت أو عوائد، إلى تحويل جزء من أموال العملاء بعيداً عن الحسابات المصرفية التقليدية.
وقد عبّرت مجموعات مصرفية عن مخاوفها من أن تؤدي المنافسة على هذه الأموال إلى ارتفاع تكاليف التمويل وتقليص قدرة بعض البنوك على تقديم القروض، ولا سيما البنوك المحلية التي تعتمد بدرجة أكبر على الودائع كمصدر للتمويل. وكانت هذه المخاوف جزءاً من حملة الضغط التي سبقت التصويت على مشروع قانون CLARITY.
في المقابل، يرى قطاع الأصول الرقمية أن منع المنصات من تقديم مكافآت مرتبطة بالنشاط قد يحد من المنافسة والابتكار في منتجات المدفوعات الرقمية. ولذلك، تحوّل النقاش تدريجياً من سؤال حول كيفية تنظيم سوق الأصول الرقمية إلى سؤال أوسع يتعلق بمكان احتفاظ المستهلكين بالدولارات في النظام المالي المستقبلي، والجهات التي ستتمكن من الاستفادة من تلك السيولة.
إلى جانب الخلاف المصرفي حول العملات المستقرة، واجه مشروع القانون اعتراضات سياسية وأخلاقية من أعضاء ديمقراطيين في مجلس الشيوخ.
وتركز جزء من المعارضة على الأحكام المتعلقة بتضارب المصالح والأصول الرقمية التي يمتلكها المسؤولون الحكوميون، وسط مخاوف بشأن المصالح التجارية للرئيس دونالد ترامب وعائلته في قطاع الأصول الرقمية. وطالب مشرعون ديمقراطيون بضمانات أكثر صرامة لمنع المسؤولين من الاستفادة من القرارات التنظيمية أو التشريعية التي تؤثر في مصالحهم التجارية.
وفي المقابل، أجرى الجمهوريون تعديلات على النص قبل التصويت، في محاولة لمعالجة بعض هذه الاعتراضات. إلا أن هذه التغييرات لم تكن كافية لتأمين الأصوات الستين المطلوبة.
كما لم تكن المعارضة موحدة حول سبب واحد؛ إذ أشارت التغطية السياسية إلى تداخل مجموعة من القضايا، من الضوابط الأخلاقية والتمويل غير المشروع إلى المخاوف المصرفية وصلاحيات الجهات التنظيمية. وفي النهاية، أدى اجتماع هذه الاعتراضات إلى عدم حصول مشروع القانون على العدد المطلوب من الأصوات للمضي قدماً.
وتزامن التطور التشريعي مع تراجع سعر البيتكوين، ما عزز الضغوط على المنتجات الاستثمارية المرتبطة به.
وكان البيتكوين يتداول قرب 75,700 دولار في وقت إعداد التقرير، مع تسجيل تراجع يقارب 2.5% خلال 24 ساعة وفق بيانات CoinMarketCap المتاحة في ذلك الوقت. وتظهر بيانات المنصة أن سعر البيتكوين بلغ نحو 75,612 دولاراً في 15 سبتمبر، بانخفاض يومي بلغ 3.26%، قبل أن يتحرك حول مستويات 75,700 دولار في 16 سبتمبر.
وتعكس هذه التحركات حساسية سوق الأصول الرقمية تجاه التطورات التنظيمية الأميركية، خصوصاً في ظل الدور الذي أصبحت تلعبه صناديق البيتكوين الفورية في جذب رؤوس الأموال المؤسسية إلى السوق.
وكانت الصناديق قد سجلت تدفقات داخلة قوية في 14 سبتمبر بلغت 159.9 مليون دولار، قبل أن تنقلب التدفقات إلى سلبية في الجلسة التالية. وتوضح بيانات Farside أن التحول لم يكن موحداً بين جميع الصناديق، إذ شهد «IBIT» التابع لـ«BlackRock» تدفقات داخلة بلغت 134.3 مليون دولار في 14 سبتمبر، بينما سجل «FBTC» تدفقات داخلة قدرها 53.3 مليون دولار، قبل أن يتصدر الأخير عمليات السحب في اليوم التالي.
تكشف حركة صناديق البيتكوين الفورية بعد تصويت مجلس الشيوخ أن العلاقة بين التشريع والسيولة في سوق الأصول الرقمية أصبحت أكثر مباشرة. فالمستثمرون المؤسسيون لا يتعاملون مع الإطار التنظيمي باعتباره مسألة قانونية بعيدة عن السوق، بل كعنصر يمكن أن يؤثر في درجة اليقين المحيطة بالأصول الرقمية والمنصات والمنتجات الاستثمارية المرتبطة بها.
وفي الوقت نفسه، يُظهر الخلاف حول مكافآت العملات المستقرة أن المعركة التنظيمية المقبلة لن تدور فقط حول تصنيف الأصول الرقمية أو تحديد صلاحيات SEC وCFTC، بل حول موقع الدولار الرقمي داخل النظام المالي نفسه. فإذا أصبحت العملات المستقرة وسيلة واسعة للاحتفاظ بالقيمة وإجراء المدفوعات، فإن القواعد المنظمة للعوائد والمكافآت قد تؤثر مباشرة في المنافسة بين البنوك والمنصات الرقمية.
لذلك، فإن تعثر CLARITY لا يعني انتهاء النقاش حول تنظيم الأصول الرقمية في الولايات المتحدة، بقدر ما يكشف عن اتساع نطاقه. فالتحدي لم يعد يتمثل في وضع قواعد لقطاع ناشئ فقط، وإنما في تحديد كيفية تداخل البنية المالية التقليدية مع البنية الرقمية، ومن يملك حق الوصول إلى السيولة الرقمية وإدارتها والاستفادة منها في الاقتصاد الأميركي.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
اختيارات المحرر
في نفس المجال

البنوك وقطاع العملات الرقمية يكثّفان الضغط قبيل حسم قانون الوضوح
مكتب التحرير
١٠ سبتمبر ٢٠٢٦
2 د

البيتكوين تحت ضغط حرب إيران واضطرابات مضيق هرمز وارتفاع النفط
مكتب التحرير
١٤ سبتمبر ٢٠٢٦
6 د

تعافي البيتكوين على المحك: تصويت "كلاريتي" وقرار الفائدة الأمريكية يحددان المسار
مكتب التحرير
١٥ سبتمبر ٢٠٢٦
4 د

كالشي تتطلع لتداول مستمر لعقود تسلا وإنفيديا الدائمة وسط نزاع الصلاحيات التنظيمية
مكتب التحرير
١١ سبتمبر ٢٠٢٦
8 د