تشريعات وسياسات
مشاركة

وأ
الرئيس التنفيذي & رئيس التحرير
تحلل المقالة قضية انهيار منصة زونداكريبتو وتقارنها بالبيئة التنظيمية في الإمارات، مستنتجةً أن الإطار الرقابي الإماراتي يجعل تراكم المخاطر المماثلة أكثر صعوبة وإن لم يكن مستحيلاً.
قصة زونداكريبتو (Zondacrypto) ليست قصة إماراتية. فالمنصة لم تقدّم نفسها كشركة مقرها الإمارات، ولم يكن انهيارها مرتبطاً بالسوق المحلي. لكن ما تكشفه القضية يطرح اختباراً مباشراً لأي مركز يسعى إلى بناء سوق منظّمة للأصول الافتراضية: إلى أي مدى يمكن أن تتراكم مخاطر الحفظ، والاعتماد على شخص واحد، والغموض حول نطاق الترخيص، والهياكل العابرة للحدود، قبل أن تفرض الجهة التنظيمية أسئلتها؟
قبل توقف التداول في أبريل 2026، كانت المنصة تقول إن لديها 1.3 مليون مستخدم مسجل. وقدّرت التحقيقات البولندية خسائر العملاء بأكثر من 350 مليون زلوتي، فيما لا يزال مؤسسها مفقوداً منذ عام 2022، وتتوزع التحقيقات بين بولندا وإستونيا. ووفقاً لما نقلته رويترز، لم يتمكن آلاف المستخدمين من سحب أموالهم.
السؤال هنا ليس ما إذا كان من المستحيل أن تفشل شركة مرخصة في الإمارات. لا يوجد إطار تنظيمي يمنح السوق حصانة مطلقة. السؤال الأدق هو ما إذا كانت المخاطر نفسها قادرة على التحرك بالسرعة ذاتها، والوصول إلى الحجم نفسه، قبل أن تصطدم بمتطلبات الحفظ والحوكمة والإفصاح والتدقيق.
بدأت المنصة باسم بيتباي (BitBay) في بولندا عام 2014. وفي 2018 أعلنت نقل عملياتها إلى مالطا، في مرحلة كانت فيها البلاد تروّج لنفسها دولياً بوصفها «جزيرة البلوكتشين». ولاحقاً، عملت المنصة من خلال شركة «بي بي تريد إستونيا أو يو» (BB Trade Estonia OÜ) بموجب ترخيص إستوني لتقديم خدمات العملات الافتراضية.
هذا المسار لا يجعل انهيار زونداكريبتو فشلاً مالطياً، كما لا يعني أن المنصة كانت خاضعة للرقابة المالطية عند توقفها. كانت مالطا محطة ضمن رحلة قانونية وتشغيلية أوسع امتدت عبر أكثر من ولاية قضائية.
لكن لهذه الرحلة دلالة أخرى. ففي قطاع الأصول الرقمية، قد يتحول اسم الدولة إلى مصدر ثقة بحد ذاته. وقد يقرأ المستخدم عبارة مثل «مقرنا في مركز مالي معروف» باعتبارها دليلاً على أن الأصول والاحتياطيات والحوكمة تخضع جميعها لرقابة متكاملة. وبالطريقة نفسها، كثيراً ما تُستخدم كلمات «مسجلة» و«معتمدة» و«مرخصة» وكأنها تعني الشيء نفسه، بينما تصف كل واحدة منها علاقة قانونية مختلفة.
قد تكون الشركة مسجلة تجارياً في دولة، وتحمل موافقة تتعلق بمكافحة غسل الأموال في دولة ثانية، وتخدم عملاء في دولة ثالثة. ولا يكشف أي من هذه الأوصاف، منفرداً، الجهة المسؤولة عن مراقبة أموال العملاء أو التحقق من وجودها أو معرفة من يملك فعلياً مفاتيح الوصول إليها.
من أهم الوثائق في هذه القضية البيان الذي أصدرته وحدة الاستخبارات المالية الإستونية عندما سحبت ترخيص «بي بي تريد إستونيا»في 29 يونيو 2026.
قالت الوحدة إن الشركة لم تستجب لأمر رقابي يطالبها بتصحيح أوضاعها. لكن الجزء الأكثر أهمية في البيان كان توضيح حدود صلاحيات الجهة نفسها. فقد تركز الإشراف أساساً على مدى امتثال وثائق الشركة لمتطلبات قانون مكافحة غسل الأموال في إستونيا، ولم يمتد إلى الرقابة الاحترازية على حفظ أموال العملاء أو التحقق من وجود الأصول أو سيولة الشركة.
بمعنى آخر، كان الترخيص حقيقياً، لكن نطاقه لم يشمل بالضرورة المخاطر التي كانت الأكثر أهمية بالنسبة إلى العملاء.
ظهر أثر هذا الفاصل عندما بدأت أزمة السحوبات. فقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمزأن إدارة المنصة قالت إن نحو 4,500 بيتكوين كانت محفوظة في محفظة لا يمكن الوصول إليها إلا باستخدام بيانات اعتماد يسيطر عليها المؤسس المفقود سيلفستر سوشيك. ولا تزال هذه الرواية، وكذلك الأصول نفسها، موضع تدقيق. لكن إذا وُجد هذا الترتيب بالفعل، فهو يمثّل اعتماداً بالغ الخطورة على شخص واحد.
في المقابل، نفى الرئيس التنفيذي السابق برزيميسواف كرال ارتكاب أي مخالفات، وعزا الانهيار إلى مشكلات في السيولة وضغوط سياسية، بحسب ما نقلته فايننشال تايمز. ولا تزال التحقيقات جارية، ما يجعل الفصل بين الوقائع المثبتة والادعاءات المتبادلة ضرورياً.
القضية تكشف أيضاً حدود العبارات التسويقية المرتبطة بـ«إثبات الأصول». فرصيد ظاهر على السلسلة أو رقم معلن للاحتياطيات لا يجيب وحده عن الأسئلة الحاسمة: هل تستطيع الشركة الوصول إلى الأصول؟ هل تغطي التزاماتها تجاه العملاء؟ من يجيز التحويلات؟ وماذا يحدث إذا غاب المؤسس أو المدير أو صاحب التوقيع الرئيسي؟
لم تُنهِ زونداكريبتو مكانة مالطا كوجهة لشركات الأصول الرقمية. فالبلاد لا تزال تمنح التراخيص ضمن لائحة الأسواق في الأصول المشفرة «ميكا»، لكن الزخم المبكر لشعار «جزيرة البلوكتشين» تراجع مع اتساع النقاش حول فعالية الرقابة وضوابط الجرائم المالية. كما خضعت مالطا للمراقبة المعززة من مجموعة العمل المالي لمدة عام، قبل إزالتها من القائمة الرمادية في يونيو 2022.
وفي 2025، رأت هيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبيةأن بعض المسائل والمخاطر لم تُحسم بالكامل قبل موافقة هيئة الخدمات المالية المالطية على أحد مزودي خدمات الأصول المشفرة، مع إقرارها في الوقت نفسه بخبرة الجهة المالطية وتعاونها.
هذه التطورات أوسع من قضية زونداكريبتو، ولا ينبغي دمجها معها. لكنها تبيّن أن سمعة أي مركز للكريبتو لا تُبنى بعدد الشركات التي يستقطبها، بل بمدى اقتران الترخيص برقابة مستمرة وإنفاذ فعلي ووضوح عام بشأن ما يشمله كل ترخيص وما لا يشمله.
الفارق في الإمارات لا يبدأ عند لحظة الانهيار، بل قبلها. فالمخاطر المركزية في قضية زونداكريبتو تمر، داخل النطاق المرخص، عبر أكثر من نقطة رقابية تتعلق بهوية الكيان، وطبيعة النشاط، وبنية الحفظ، وصلاحيات الوصول، وفصل أصول العملاء، والمطابقة الدورية، واستمرارية الأعمال.
في دبي خارج مركز دبي المالي العالمي، تفرض سلطة تنظيم الأصول الافتراضية «فارا» (VARA)على مزودي الخدمات منع وجود نقطة فشل واحدة في الوصول إلى الأصول الافتراضية. وتشمل قواعدها التقنيةالنسخ الاحتياطية للمفاتيح، وضوابط الوصول، وإزالة صلاحيات الموقّعين، واستعادة المفاتيح المفقودة، وفصل أصول العملاء. كما تقيّد إعادة استخدام تلك الأصول كضمان، وتفصل الحفظ، في الأصل، عن بقية أنشطة المجموعة.
أما سوق أبوظبي العالمي، فيذهب إلى صياغة أكثر مباشرة. فلا يجوز لأمين الحفظ المرخص أن يسمح لشخص واحد بتحريك أصول العملاء أو أن يترك له وحده حق الوصول إلى المفاتيح الخاصة. كما يفرض الإطار مطابقة أسبوعية، وكشوفاً شهرية للعملاء، وتحققاً مستقلاً مرة واحدة سنوياً على الأقل. وتتعامل إرشادات سوق أبوظبي العالميصراحة مع السرقة والاحتيال وعجز الشخص أو رفضه منح الوصول بوصفها مخاطر حفظ.
لو وُجد ترتيب يعتمد على حامل مفتاح واحد داخل نطاق حفظ مرخص في الإمارات، لكان متعارضاً منذ البداية مع متطلبات تستهدف منع هذه البنية تحديداً. أي أن الخطر لا يحتاج إلى انتظار اختفاء مسؤول أو توقف السحوبات حتى يصبح مسألة رقابية.
هذه القواعد ليست ضماناً آلياً. فقيمتها تعتمد على التزام الشركات، وقدرة الجهات التنظيمية على اكتشاف المخالفات، وسرعة الإنفاذ. لكنها تضع الاحتكاك التنظيمي عند مراحل الترخيص والحوكمة والحفظ والمطابقة والتدقيق، بدلاً من أن يظل الإشراف محصوراً في وثائق مكافحة غسل الأموال.
تبقى هناك مساحة مختلفة من المخاطر خارج النطاق المرخص. فبعض شركات الأصول الرقمية تقول على مواقعها إنها «تتخذ من الإمارات مقراً» أو إنها «مسجلة» أو «تأسست» في الدولة، من دون أن يعني ذلك أنها مخولة بتقديم خدمات أصول افتراضية منظّمة.
قد تكون العبارة صحيحة إذا كانت تشير إلى مقر إداري أو شركة قابضة أو مكتب أو رخصة تجارية. لكنها لا تثبت وجود تصريح لتشغيل منصة تداول، أو تقديم الوساطة أو الحفظ، أو إدارة الأصول أو الإقراض. الرخصة التجارية ليست ترخيصاً لمزاولة خدمات الأصول الافتراضية، كما أن حصول شركة تابعة على ترخيص لا يمد الحماية التنظيمية تلقائياً إلى جميع الكيانات التي تستخدم العلامة التجارية نفسها.
في الإمارات، يمكن التحقق من هذا الفارق عبر السجلات العامة. فالشركات العاملة في دبي خارج مركز دبي المالي العالمي تظهر في السجل العام لفارا، بينما يمكن التحقق من الشركات في سوق أبوظبي العالمي ومركز دبي المالي العالمي عبر سجلي سلطة تنظيم الخدمات الماليةوسلطة دبي للخدمات المالية. كما تنشر هيئة أسواق المالبيانات الترخيص ضمن نطاق اختصاصها الاتحادي.
لكن العثور على اسم تجاري مألوف لا يكفي. يجب مطابقة الاسم القانوني الوارد في شروط استخدام المنصة، والتأكد من أن الترخيص ساري، ثم مراجعة الأنشطة التي يغطيها. ففارا، على سبيل المثال، تميز بين التداول، والوساطة، والحفظ، والإقراض، وإدارة الاستثمار وغيرها من الأنشطة. كما أن «الموافقة المبدئية» خطوة مشروطة ضمن مسار الترخيص، ولا تمنح الشركة حق بدء التشغيل أو خدمة العملاء.
قد تواجه الشركات التي تقدم خدمات منظّمة من دون تصريح، أو توحي بوضع تنظيمي غير دقيق، غرامات أو قيوداً أو إجراءات إنفاذ. لكن العقوبة قد تأتي بعدما يكون العملاء قد تعرضوا بالفعل للخطر. وهي قادرة على ردع المخالفة وحماية السوق الأوسع، لكنها لا تعيد بالضرورة الأموال العالقة على منصة متوقفة.
لهذا، لا تقف حماية السوق عند حدود الجهة التنظيمية. قدرة المستخدم على التمييز بين عنوان في الإمارات، وتسجيل تجاري، وموافقة مبدئية، وترخيص فعلي لنشاط محدد هي جزء من البنية نفسها، وليست هامشاً توعوياً خارجها.
في حالة زونداكريبتو، اكتسبت المخاطر زخماً عبر كيانات قانونية وولايات قضائية وفهم متفاوت لمعنى كلمة «مرخصة». أما داخل النطاق المنظّم في الإمارات، فالمسار نفسه كان سيواجه في وقت أبكر أسئلة عن الكيان القانوني، والنشاط المسموح، وبنية الحفظ، والوصول إلى المفاتيح الخاصة، وفصل الأصول، والمطابقة، وخطط استمرارية الأعمال.
هذا لا يجعل الإمارات محصّنة، لكنه يجعل وصول انهيار مشابه إلى المسافة نفسها، وبالسرعة نفسها، أكثر صعوبة من دون الاصطدام بقواعد تمس نقاط ضعفه المركزية. وإذا ظهرت الظروف ذاتها في السوق الإماراتية، فكم من الوقت ستحتاج المنظومة الرقابية قبل أن تدفعها إلى العلن؟
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
اختيارات المحرر

طبقة التنسيق المفقودة في توسع الأصول الرقمية المؤسسية
جوليان سوير
١٨ أغسطس ٢٠٢٦
5 دقيقة

ما وراء الوصول إلى الأصول الرقمية: كيف تبني ARP Digital بنية رأس المال الرقمي في الإمارات؟
انا ماريا قشوع
١٧ أغسطس ٢٠٢٦
8 دقيقة

مقابلة حصرية: بنجامين غروليموند يتحدث عن ترخيص VARA واستراتيجية نمو "فليبستر"
انا ماريا قشوع
٤ أغسطس ٢٠٢٦
4 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

"بيتكوين دوت كوم" و"يونيفيرسال" تطلقان شراكة لإضافة عملة USDU المستقرة إلى المحفظة
مكتب التحرير
١٩ أغسطس ٢٠٢٦
3 د

VARA تمنح أربيت الترخيص الكامل مع اقتراب إطلاق منصتها
وليد أبو زكي
١٨ أغسطس ٢٠٢٦
5 د

ما وراء الوصول إلى الأصول الرقمية: كيف تبني ARP Digital بنية رأس المال الرقمي في الإمارات؟
انا ماريا قشوع
١٧ أغسطس ٢٠٢٦
8 د

بنك زاند الإماراتي يوسّع انتشار العملات المستقرة عالميًا عبر دمج USDC
مكتب التحرير
٢٥ أغسطس ٢٠٢٦
5 د



