تشريعات وسياسات
مشاركة

عر
الرئيس التجاري
تدخل سلطة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي (VARA)، مرحلة أكثر تقدّماً في رقابة قطاع الأصول الافتراضية، بعدما أصدرت إرشادات جديدة توضّح ما تعتبره ممارسة قوية في تقييم مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل الانتشار داخل الشركات المرخّصة.
الوثيقة، التي تحمل عنوان إرشادات تقييم مخاطر الأعمال لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لا تبدو مجرد دليل تقني إضافي لشركات الأصول الافتراضية. فهي تكشف عن تحوّل أوسع في طريقة نظر VARA إلى الامتثال، من التركيز على وجود السياسات والوثائق إلى اختبار ما إذا كانت هذه السياسات مرتبطة فعلاً بالبيانات، والحوكمة، والقرارات اليومية داخل المؤسسة.
وتستند الإرشادات إلى مراجعة موضوعية أجرتها VARA في عام 2026 لتقييمات مخاطر الأعمال لدى مزوّدي خدمات الأصول الافتراضية المرخّصين. ومن خلالها، ترسم السلطة صورة واضحة لما تنتظره من الشركات التي تعمل تحت مظلتها: تقييم مخاطر حيّ، قابل للتحديث، مدعوم بالأدلة، وخاضع لمساءلة مجلس الإدارة، لا ملف امتثال يُراجع شكلياً عند الحاجة.
منذ إطلاق إطارها التنظيمي، ركّزت دبي على بناء سوق منظّمة للأصول الافتراضية، قادرة على جذب الشركات العالمية ضمن بيئة ترخيص واضحة. لكن الإرشادات الجديدة تشير إلى انتقال VARA نحو مرحلة مختلفة: مرحلة اختبار نضج المؤسسات بعد حصولها على الترخيص.
فالمطلوب اليوم لا يقتصر على أن تملك الشركة سياسة لمكافحة غسل الأموال أو إطاراً عاماً لتقييم المخاطر. بل عليها أن تثبت كيف تصل إلى استنتاجاتها، وما البيانات التي تستند إليها، وكيف تؤثر هذه الاستنتاجات على مراقبة المعاملات، وفحص العقوبات، والعناية الواجبة، وتخصيص الموارد داخل فرق الامتثال.
بمعنى آخر، لم يعد كافياً أن تصف الشركة مستوى المخاطر لديها بأنه “متوسط” أو “مرتفع”. يجب أن تكون قادرة على شرح الطريق الذي قاد إلى هذا التصنيف، من المخاطر الكامنة إلى فعالية الضوابط، وصولاً إلى المخاطر المتبقية بعد تطبيق أدوات الرقابة.
أحد أبرز ما تحمله الإرشادات هو نقل تقييم مخاطر الأعمال من مساحة الامتثال الضيقة إلى مساحة الحوكمة المؤسسية.
تشير VARA إلى أن الممارسة القوية تتطلب اعتماد تقييم المخاطر رسمياً من مجلس الإدارة، أو من جهة حوكمة مكافئة، مع توثيق تاريخ الاعتماد. ولا تنظر السلطة إلى اعتماد الإدارة التنفيذية وحده كبديل كافٍ عن هذا المستوى من المساءلة.
الأهم أن دور مجلس الإدارة لا يجب أن يكون شكلياً. فالسلطة تتوقع أن يتحدى المجلس منهجية التقييم، وتصنيفات المخاطر المتبقية، وافتراضات فعالية الضوابط، وأولويات المعالجة. وهذا يعني أن تقييم مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب لم يعد وثيقة يملكها مسؤول الإبلاغ عن غسل الأموال وحده، بل وثيقة حوكمة يجب أن يفهمها المجلس ويختبر منطقها.
كما تؤكد الإرشادات أهمية نموذج خطوط الدفاع الثلاثة. وظيفة الامتثال أو مسؤول الإبلاغ قد تتولى إعداد التقييم، لكن المراجعة المستقلة يجب أن تأتي من مجلس الإدارة أو وظيفة المخاطر، فيما ينبغي للتدقيق الداخلي أو طرف خارجي مستقل أن يختبر المنهجية وافتراضات فعالية الضوابط.
هذا يرفع مستوى المسؤولية داخل الشركات المرخّصة. فالضعف في تقييم المخاطر لم يعد مشكلة امتثال فقط، بل قد يعكس خللاً أوسع في الحوكمة والرقابة الداخلية.
تدفع فاراالشركات نحو تقييمات مبنية على أدلة تشغيلية لا على الانطباعات العامة.
وتشمل البيانات التي تتوقع السلطة استخدامها في تقييم المخاطر: توزيع العملاء حسب درجات المخاطر، إنذارات مراقبة المعاملات، اتجاهات تقارير الاشتباه، نتائج فحص العقوبات، أحجام المنتجات والمعاملات، التوزيع الجغرافي للعملاء والتدفقات، نتائج التدقيق الداخلي، ملاحظات الجهة الرقابية، بيانات العناية الواجبة المعززة، وحالات إنهاء العلاقة مع العملاء.
هذه النقطة جوهرية. فالكثير من تقييمات المخاطر في القطاع المالي يمكن أن تتحول إلى سرديات عامة، تُكتب بلغة امتثال واسعة من دون ارتباط مباشر بما يحدث فعلاً داخل المؤسسة. أما VARA فتدفع باتجاه نموذج أكثر صرامة: كل تصنيف يجب أن يستند إلى مدخلات قابلة للفحص، وكل استنتاج يجب أن يكون قابلاً للتتبع.
وتشجع الإرشادات استخدام نماذج رقمية واضحة، مثل مقاييس الاحتمالية والأثر، وجداول قياس فعالية الضوابط، وخرائط حرارية تربط بين المخاطر الكامنة والمخاطر المتبقية. وحتى عندما تستخدم الشركات تصنيفات نوعية بدلاً من الأرقام، تتوقع VARA شرحاً واضحاً للمنطق الذي يبرر كل نتيجة.
لا تقف الإرشادات عند مخاطر غسل الأموال التقليدية. فهي تدخل مباشرة إلى طبيعة المخاطر الخاصة بقطاع الأصول الافتراضية.
وتطلب VARA من الشركات أن تقيّم تعرضها لمخاطر المحافظ غير المستضافة، والأصول الافتراضية المعززة للخصوصية، وخدمات الخلط، وأنشطة التمويل اللامركزي، والتفاعل مع العقود الذكية، والتحويلات العابرة للحدود، ومتطلبات قاعدة السفر.
كما تفرد الإرشادات مساحة واضحة للعملات المستقرة. إذ تتوقع السلطة من مزوّدي الخدمات تقييم أحجام معاملات العملات المستقرة، والتعرض للأطراف المقابلة، ومخاطر الالتفاف على العقوبات، ومخاطر تمويل الانتشار.
هذه الإشارة مهمة لسوق الإمارات، حيث تتطور مبادرات العملات المستقرة سواء المرتبطة بالدرهم أو بالدولار ضمن مسارات تنظيمية مختلفة. فالرسالة هنا أن العملات المستقرة لن تُقرأ فقط كأداة دفع أو كجسر للسيولة، بل أيضاً كعنصر داخل منظومة مخاطر مالية عابرة للحدود، خصوصاً عندما تتداخل مع العقوبات أو الأطراف عالية المخاطر أو الاستخدامات على السلاسل العامة.
كما أن إدراج التمويل اللامركزي والمحافظ غير المستضافة يؤكد أن VARA تتوقع من الشركات المركزية فهم المخاطر التي قد لا تقع بالكامل داخل منصاتها، لكنها تتصل بعملائها، أو معاملاتهم، أو الأطراف التي يتعاملون معها.
من النقاط اللافتة أيضاً أن VARA تتعامل مع تمويل الانتشار كفئة مخاطر مستقلة، لا كامتداد هامشي لمكافحة غسل الأموال أو تمويل الإرهاب.
وتوضح الإرشادات أن على الشركات تقييم مخاطر تمويل الانتشار بصورة منفصلة، من خلال تصنيف خاص للمخاطر الكامنة، وتقييم مستقل لفعالية الضوابط، وتصنيف واضح للمخاطر المتبقية. كما تربط VARA هذه المسألة مباشرة بإطار العقوبات المالية المستهدفة، بما في ذلك الفحص، وتجميد الأصول من دون تأخير، والتبليغ عبر القنوات المعتمدة عند الحاجة.
وتشير الوثيقة إلى مخاطر مثل العملاء المرتبطين بولايات قضائية حساسة، والهياكل المؤسسية المعقدة، والحسابات المتداخلة، ومزوّدي الخدمات الوسيطة، والمعاملات متعددة الطبقات على شبكات البلوكتشين، والشركات الواجهة، واستخدام الجسور بين الشبكات لإخفاء مصدر الأموال أو وجهتها.
هذا يعني أن VARA لا تريد من الشركات التعامل مع تمويل الانتشار كخانة نظرية داخل نموذج امتثال. بل تنتظر ربطه بإجراءات عملية، تشمل فحص العقوبات، وتحليلات البلوكتشين، وتقييم هياكل العملاء، وإجراءات التصعيد، وسياسات التجميد والإبلاغ.
تولي الإرشادات أهمية خاصة للمخاطر الجغرافية، لكنها لا تقبل بمعالجتها بصورة عامة.
فبدلاً من الإشارة الواسعة إلى “دول عالية المخاطر”، تتوقع VARA تحليلاً على مستوى كل ولاية قضائية، مدعوماً ببيانات فعلية من سجلات اعرف عميلك. ويعني ذلك أن على الشركة معرفة النسبة المحددة من قاعدة عملائها المرتبطة بكل دولة عالية المخاطر، وكيف يؤثر ذلك على تقييمها العام.
هذا البعد مهم في دبي تحديداً، حيث تعمل شركات الأصول الافتراضية في بيئة دولية وتخدم عملاء من أسواق متعددة. وكلما اتسعت البصمة الجغرافية للشركة، زادت الحاجة إلى تقييم أكثر دقة لمصادر المخاطر، لا الاكتفاء بتصنيفات عامة أو مستوردة من المجموعة الأم.
القيمة الأهم في الإرشادات تكمن في تأكيد VARA أن تقييم المخاطر يجب أن ينعكس على القرارات التشغيلية.
فالشركة مطالبة بأن توثّق كيف أثرت نتائج التقييم على قراراتها خلال دورة المراجعة. قد يشمل ذلك تعديل عتبات مراقبة المعاملات، أو تعزيز إعدادات فحص العقوبات، أو زيادة عمق تحليلات البلوكتشين، أو تطبيق عناية واجبة معززة على عملاء من ولايات قضائية محددة، أو إعادة توزيع موارد الامتثال نحو خطوط أعمال أكثر خطورة.
بهذا المعنى، تختبر VARA ما إذا كان تقييم المخاطر يغيّر فعلاً طريقة عمل الشركة. فإذا بقي التقييم منفصلاً عن مراقبة المعاملات، والعناية الواجبة، وفحص العقوبات، والموارد البشرية، فلن يكون أكثر من وثيقة أرشيفية.
كما تحدد الإرشادات مجموعة من الأحداث التي يجب أن تؤدي إلى تحديث التقييم، مثل إطلاق منتجات جديدة، أو إدراج أصول افتراضية جديدة، أو تغيّر توزيع مخاطر العملاء، أو صدور تحديثات من FATF، أو ملاحظات رقابية من VARA، أو نتائج تدقيق سلبية، أو تغييرات في العقوبات، أو تغيير مسؤول الإبلاغ عن غسل الأموال، أو تعديلات جوهرية في برنامج مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
تعطي إرشادات VARA الشركات المرخّصة معياراً أوضح لما تعتبره السلطة إطاراً ناضجاً لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
كما تكشف للسوق أولويات رقابية أكثر تحديداً: العملات المستقرة، التمويل اللامركزي، المحافظ غير المستضافة، التحويلات العابرة للحدود، التعرض للعقوبات، تمويل الانتشار، التركّز الجغرافي، والاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
بالنسبة إلى قطاع الأصول الافتراضية في دبي، لا تعني هذه الإرشادات مجرد تحسين في شكل الوثائق. بل تشير إلى مرحلة رقابية أكثر صرامة، حيث يصبح الترخيص نقطة بداية، لا نهاية المطاف. فالاختبار الحقيقي سيكون قدرة الشركات على إثبات أن حوكمتها، وبياناتها، وضوابطها، وقراراتها اليومية متوافقة مع حجم المخاطر التي تتحملها.
ومع توسّع السوق المرخّصة، يبدو أن السؤال لم يعد: هل لدى الشركة تقييم لمخاطر الأعمال؟ بل: هل يستطيع هذا التقييم الصمود أمام فحص فارا، وتحدي مجلس الإدارة، وتطور مخاطر الأصول الافتراضية في بيئة عالمية سريعة التغير؟
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
اختيارات المحرر

إم جي إكس وفينيكس تضعان رأس المال الإماراتي خلف صعود فرنسا في الذكاء الاصطناعي
وليد أبو زكي
١٠ يونيو ٢٠٢٦
9 دقيقة

العملات الرقمية تكبر... ونهاية عصر الضجيج
وليد أبو زكي
٧ يونيو ٢٠٢٦
5 دقيقة

عقوبات بريطانية على HTX تعيد طرح تحقيق UNLOCK Blockchain حول مخاطر الامتثال
انا ماريا قشوع
٢ يونيو ٢٠٢٦
5 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

بتغو مينا تطلق التداول الإلكتروني وتوسّع بنية الأصول الرقمية المؤسسية في دبي
وليد أبو زكي
١١ يونيو ٢٠٢٦
7 د

هيئة الرقابة المالية البريطانية تقترح السماح لصناديق الاستثمار بتخصيص 10% للعملات الرقمية
مكتب التحرير
٩ يونيو ٢٠٢٦
4 د

أو كي أكس الشرق الأوسط تدعم مبادرة «متطوعو الإمارات» بمليون درهم
مكتب التحرير
٢ يونيو ٢٠٢٦
4 د

كوبر الشرق الأوسط تحصل على موافقة مبدئية لتوسيع أنشطة الأصول الرقمية في أبوظبي
مكتب التحرير
١٠ يونيو ٢٠٢٦
4 د



