السياسات والقطاع
مشاركة
تلقت البنوك البريطانية 10,092 شكوى بين مايو وأغسطس 2026 بشأن قيود التحويلات المرتبطة بالعملات الرقمية، مما يكشف فجوة بين طموحات المملكة المتحدة التنظيمية وإمكانية وصول المستهلكين إلى أسواق الأصول الرقمية.
تلقت البنوك البريطانية أكثر من 10,000 شكوى تتعلق بالقيود المفروضة على المدفوعات المرتبطة بالعملات الرقمية خلال ثلاثة أشهر، في مؤشر على تصاعد التوتر بين طموح المملكة المتحدة إلى استقطاب الشركات العاملة في مجال الأصول الرقمية، وقدرة المستهلكين على الوصول إلى أسواق هذه الأصول واستخدامها.
وتُظهر البيانات التي جمعتها مجموعة المناصرة “ستاند وذ كريبتو يو كيه” تسجيل 10,092 شكوى بين مايو وأغسطس 2026، قدمها 9,803 أفراد عبر أداة الإبلاغ الإلكترونية التابعة للمجموعة. وشملت الشكاوى عملاء من جميع الدوائر الانتخابية البرلمانية الـ650 في المملكة المتحدة، وتنوعت بين حظر التحويلات، وفرض حدود على المدفوعات، والصعوبات التي تواجه المستخدمين عند شراء العملات الرقمية.
وتأتي هذه الشكاوى بينما تستعد المملكة المتحدة لتطبيق إطار تنظيمي أكثر شمولاً للأصول الرقمية، ما يثير تساؤلات بشأن مدى اتساق الممارسات المصرفية مع طموح البلاد المعلن إلى ترسيخ مكانتها مركزاً رائداً لهذا القطاع.
سجلت مجموعة “لويدز المصرفية”أكبر عدد من الشكاوى، بواقع 2,297 شكوى شملت بنك “لويدز” و”هاليفاكس” و”بنك اسكتلندا”. وجاء “باركليز” في المرتبة الثانية بـ1,569 شكوى، تليه مجموعة “نات ويست” بـ1,278 شكوى.
وبذلك، بلغ مجموع الشكاوى المقدمة ضد المجموعات المصرفية الثلاث 5,144 شكوى، أي نحو 51% من الإجمالي. كذلك، تلقى “إتش إس بي سي المملكة المتحدة” أكثر من 1,000 شكوى، في حين سجل “فيرجن موني” 103 شكاوى، و”البنك التعاوني” 76 شكوى.
ومع ذلك، ينبغي تفسير هذه الأرقام بحذر؛ إذ جمعت «ستاند وذ كريبتو» الشكاوى المقدمة طوعاً عبر أداتها الإلكترونية، ولم تستند إلى استطلاع تمثيلي لعملاء البنوك البريطانية. كما لم تُعدّل البيانات وفقاً للاختلاف في أحجام قواعد العملاء أو عدد المعاملات لدى كل بنك، ولا توضح مدى تكرار حظر كل مؤسسة للمدفوعات المرتبطة بالعملات الرقمية.
وتكتسب نتائج مجموعة «لويدز» أهمية خاصة بالنسبة إلى الحملة؛ فبحسب مراجعة للسياسات المصرفية المنشورة علناً أجرتها المجموعة في 28 أغسطس، لم تظهر قيود معلنة على التحويلات المرتبطة بالعملات الرقمية لدى هذه المجموعة، رغم أن عملاءها قدموا شكاوى أكثر من عملاء أي مجموعة مصرفية أخرى.
وظهرت أيضاً شركة “ريفولوت”، التي تتيح للمستخدمين شراء العملات الرقمية عبر تطبيقها، ضمن المؤسسات التي تلقت شكاوى، رغم عدم رصد قيود معلنة عليها في مراجعة الحملة. غير أن معلومات الدعم الخاصة بالشركة تشير إلى أنها لا تدعم التعامل مع بعض منصات تداول العملات الرقمية.
وتوضح هذه الحالات مدى صعوبة تحديد ما إذا كان البنك سيوافق على معاملة بعينها. فغياب القيود المعلنة لا يعني بالضرورة الموافقة على جميع التحويلات، إذ قد تخضع المدفوعات الفردية لفحوص مكافحة الاحتيال، وتقييمات المخاطر الداخلية، وقيود تتعلق بمستلمين محددين.
تشير نتائج الحملة إلى تفاوت السياسات المصرفية، بين وضع حدود قصوى للتحويلات وحظر المدفوعات المرتبطة بالعملات الرقمية بالكامل.
ووفقاً للتقرير، يفرض كل من «باركليز» و«إتش إس بي سي المملكة المتحدة» حدوداً تبلغ 2,500 جنيه إسترليني لكل معاملة، و10,000 جنيه إسترليني خلال 30 يوماً. أما «نات ويست»، فتبلغ حدوده المعلنة 1,000 جنيه إسترليني يومياً و5,000 جنيه إسترليني خلال 30 يوماً، في حين يحدد ‘سانتاندير المملكة المتحدة” سقفاً قدره 1,000 جنيه إسترليني للمعاملة الواحدة و3,000 جنيه إسترليني شهرياً.
وفي المقابل، صنفت الحملة كلاً من «ستارلينغ بنك» (Starling Bank) و«تشيس المملكة المتحدة» (Chase UK) و«تي إس بي» (TSB) و«مترو بنك» (Metro Bank) و«فيرجن موني» و«البنك التعاوني» ضمن المؤسسات التي تحظر مدفوعات العملات الرقمية.
وبلغ عدد الشكاوى المقدمة ضد البنوك التي تعلن حدوداً للمعاملات 6,198 شكوى، أي نحو 61% من الإجمالي. كذلك، تعلقت 2,842 شكوى بمؤسسات لم تعلن قيودها، فيما ارتبطت 989 شكوى ببنوك صنفتها الحملة على أنها تفرض حظراً كاملاً. أما الشكاوى الـ63 المتبقية، فلم تندرج ضمن أي من هذه الفئات.
وتشير هذه الأرقام إلى أن المشكلات لا تقتصر على البنوك التي تحظر معاملات العملات الرقمية صراحةً، بل قد تشمل أيضاً المؤسسات التي تفرض حدوداً على التحويلات أو لا توضح سياساتها بما يكفي.
وترى «ستاند وذ كريبتو» أن هذا الغموض يصعّب على المستهلكين اختيار بنك يتناسب مع خططهم لاستخدام منصات تداول العملات الرقمية الخاضعة للتنظيم. ولذلك، تدعو المجموعة إلى توضيح القيود بصورة أدق، وتسهيل إجراءات الاعتراض على المدفوعات المرفوضة.
في المقابل، تتحمل البنوك مسؤوليات مشروعة في تقييم مخاطر الاحتيال والعمليات الاحتيالية وغسل الأموال المرتبطة بالمعاملات المالية. ويتمحور الخلاف حول مدى تناسب القيود المفروضة مع هذه المخاطر، وما إذا كانت بعض السياسات الواسعة تؤدي إلى رفض مدفوعات مشروعة من دون مبرر كافٍ.
تأتي هذه الشكاوى في وقت تستعد فيه المملكة المتحدة لتوسيع إطارها التنظيمي للأصول الرقمية. ففي ديسمبر 2025، كشفت وزارة الخزانة البريطانية عن خطط لتعزيز حماية المستهلكين، بالتوازي مع جعل البلاد وجهة أكثر جاذبية للشركات العاملة في قطاع العملات الرقمية.
ومن المقرر أن يدخل النظام الجديد حيز التنفيذ في أكتوبر 2027، ليُخضع نطاقاً أوسع من أنشطة العملات الرقمية لإطار عمل هيئة السلوك المالي البريطانية (FCA). وقد فُتح باب تقديم طلبات الترخيص أمام الشركات في 30 سبتمبر 2026، على أن يستمر حتى 28 فبراير 2027.
لكن حصول شركة عاملة في مجال العملات الرقمية على موافقة تنظيمية لا يُلزم البنوك تلقائياً بمعالجة المدفوعات الموجهة إليها؛ إذ تظل القرارات المصرفية خاضعة لتقييمات مستقلة للمخاطر والسياسات الداخلية لكل مؤسسة. وينشأ عن ذلك تفاوت محتمل بين الوضع التنظيمي لمقدمي خدمات الأصول الرقمية وقدرة عملائهم على تمويل حساباتهم.
وتبرز أهمية هذه المسألة خصوصاً بالنسبة إلى منصات التداول التي تعتمد على التحويلات المصرفية باعتبارها وسيلة أساسية لإيداع الأموال.
وفي هذا السياق، أشارت كاتي هاريس، رئيسة السياسات الأوروبية في منصة “كوين بيس”، إلى أن القيود المفروضة على شركات العملات الرقمية المشروعة قد تقوض جهود المملكة المتحدة لاستقطاب الاستثمارات وتعزيز نمو قطاع الأصول الرقمية. ودعت البنوك إلى تقييم المعاملات كلّاً على حدة، بدلاً من فرض قيود شاملة على القطاع بأكمله.
واستشهدت هاريس ببحث أجراه «مجلس أعمال الأصول المشفرة في المملكة المتحدة»، أفاد بأن 40% من محاولات التحويل إلى منصات تداول العملات الرقمية المسجلة لدى هيئة السلوك المالي تعرضت للحظر أو التأخير خلال الأشهر الاثني عشر السابقة. وأضافت أن معظم المنصات المشمولة بالبحث أبلغت عن تزايد الصعوبات، فيما ذكرت 70% منها أن الظروف المصرفية أصبحت أكثر تشدداً وعدائية مقارنة بالعام السابق.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام، التي استشهدت بها هاريس، مستقلة عن الشكاوى التي جمعتها مبادرة «ستاند وذ كريبتو».
تدعو الحملة البنوك إلى نشر سياسات واضحة تحدد أنواع معاملات العملات الرقمية المسموح بها، والحدود المفروضة عليها، والأسباب التي قد تؤدي إلى رفض المدفوعات. كما تطالب بتوفير آليات فعالة تتيح للعملاء الاعتراض على القرارات المصرفية.
ومن جانبها، ترى هاريس أن على البنوك التمييز بين العملاء والمعاملات الفردية وفقاً لمستوى المخاطر، بدلاً من تطبيق قيود عامة على القطاع بأكمله.
وقد امتدت القضية إلى الأوساط البرلمانية؛ ففي أغسطس، وجهت مجموعة برلمانية متعددة الأحزاب أسئلة إلى مسؤولين تنفيذيين في بنوك كبرى بشأن تعامل مؤسساتهم مع شركات العملات الرقمية والتحويلات المرتبطة بها. وركزت الأسئلة على رفض فتح الحسابات، والحدود المفروضة على المدفوعات، والمعايير المستخدمة لتقييم شركات الأصول الرقمية.
تسلط الشكاوى الـ10,092 الضوء على تحدٍ يتجاوز الخلاف حول حدود التحويلات أو رفض بعض المدفوعاتK إذ تكشف عن فجوة محتملة بين بناء إطار تنظيمي أكثر وضوحاً لشركات الأصول الرقمية وضمان قدرة المستهلكين على التعامل معها من خلال النظام المصرفي التقليدي.
فالتراخيص والقواعد التنظيمية قد تساعد على تحديد الشركات المؤهلة للعمل في السوق، لكنها لا تكفي وحدها لضمان سهولة الوصول إلى خدماتها، ما دامت البنوك تحتفظ بسلطة وضع سياسات الدفع وتطبيق تقييمات المخاطر الخاصة بها. وفي المقابل، لا يعني تسهيل التحويلات ضرورة التخلي عن ضوابط مكافحة الاحتيال وغسل الأموال، بل يتطلب اعتماد معايير أكثر شفافية وتناسباً مع المخاطر الفعلية لكل معاملة.
وعليه، فإن نجاح استراتيجية المملكة المتحدة لتصبح مركزاً للأصول الرقمية لن يعتمد على الإصلاحات التنظيمية وحدها، بل أيضاً على مدى قدرة الجهات المصرفية والتنظيمية على تضييق الفجوة بين الترخيص القانوني وإمكانية استخدام الخدمات فعلياً. وإذا استمرت القيود غير الواضحة أو الواسعة في تعطيل التحويلات المشروعة، فقد يجد المستهلكون والشركات أن الوصول إلى السوق لا يزال أصعب مما يوحي به الإطار التنظيمي الجديد.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
اختيارات المحرر

"نظام مالي واحد": تمويل أو كي أكس ورهان التكامل المالي
وليد أبو زكي
٨ أكتوبر ٢٠٢٦
6 دقيقة

حين تتحرّك الأصول أو تتوقف من دون إذن: حدود التحكم في المحافظ الرقمية
وليد أبو زكي
٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦
6 دقيقة

احتياطيات العملات المستقرة في الإمارات: أين توجد الدولارات فعلياً؟
انا ماريا قشوع
٢١ سبتمبر ٢٠٢٦
9 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

العقود الآجلة الدائمة للعملات الرقمية في أميركا: نزاع قضائي بين CFTC وCME
مكتب التحرير
٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦
5 د

عملة "ريد كوين" المستقرة من "إتش إس بي سي" تدخل سوق المدفوعات في هونغ كونغ
مكتب التحرير
٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦
3 د

كوين بيس تواجه ثاني غرامة كبرى في أيرلندا بسبب قصور في الضوابط الداخلية
مكتب التحرير
٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦
4 د

كازاخستان تتحرك لحظر خدمات كوين بيس وخمس منصات أخرى للأصول الرقمية غير المرخصة
مكتب التحرير
٢١ أكتوبر ٢٠٢٦
3 د



