رأي
مشاركة

كا
المديرة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط والرئيسة العالمية لقطاع المكاتب العائلية • مجموعة ابيكس
تتجاوز توكنة الأصول مرحلة الإصدار التجريبي نحو بناء بنية تحتية تشغيلية متكاملة، إذ باتت خدمات إدارة الأصول والمطابقة والحوكمة والامتثال هي المحدد الحقيقي لتبني المؤسسات المالية الكبرى لهذه التقنية.
تجاوز النقاش حول التوكنة سؤال ما إذا كان إصدار الأصول على شبكات البلوكتشين ممكنًا. فقد أثبتت صناديق سوق النقد، وأدوات الائتمان الخاص، والعقارات، وهياكل الصكوك أن الإصدار ممكن بالفعل. أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو ما إذا كان القطاع قادرًا على بناء المنظومة التشغيلية التي تسمح للأسواق المتوكنة بالعمل على نطاق مؤسسي، بحيث تخضع الأصول للإدارة والحوكمة والتقارير والمطابقة وخدمات ما بعد الإصدار، بالصرامة نفسها التي يتوقعها المستثمرون من أي منتج مالي منظم.
هذا هو الجانب الأقل بريقًا في التحول، لكنه أيضًا الجانب الذي سيحدد ما إذا كانت التوكنة ستتحول إلى بنية تحتية مالية، أم ستبقى مجموعة من المشاريع التجريبية التي تحظى بتغطية واسعة من دون أن تبلغ مرحلة التشغيل المستدام.
يمكن قياس هذا التحول بالأرقام. ففي الدراسة العالمية الأخيرة التي أجرتها مجموعة أبيكس وشملت 100 من كبار التنفيذيين في إدارة الصناديق، «التوكنة تكتسب زخمًا»، قال نصف المشاركين إن مؤسساتهم طبقت التوكنة بالفعل بصورة أو بأخرى. ومن بين المؤسسات التي لا تزال تختبر مشاريع تجريبية، يتوقع 45% الانتقال إلى تشغيل أوسع خلال عام إلى عامين. وتقدر أبحاث دويتشه بنك (Deutsche Bank Research) أن قيمة الأصول الحقيقية المتوكنة، باستثناء العملات المستقرة، قد تتراوح بين 1.5 تريليون دولار و2 تريليون دولار بحلول عام 2030، حتى وفق افتراضات متحفظة.
مع ذلك، تمحورت غالبية المشاريع حتى الآن حول الإصدار. يختار الراعي أصلًا، ويهيكل توكنًا، وينجز عملية الطرح، ثم يعلن عن محطة جديدة. لكن ما يحدث بعد ذلك، أي الحياة اليومية للأداة على امتداد خمس أو سبع أو عشر سنوات، لم يحظ بالاهتمام نفسه. وهذه تحديدًا هي المنطقة التي يركز عليها رأس المال المؤسسي عند إجراء العناية الواجبة.
المستثمر الذي يدرس تخصيص أموال لصندوق متوكن لا يكتفي بالسؤال عما إذا كان التوكن موجودًا. بل يريد أن يعرف من يحتسب صافي قيمة الأصول (NAV)، وكيف تتم مطابقة الأصول المسجلة على شبكات البلوكتشين مع الحيازات التقليدية. ويسأل من يحافظ على سجل المستثمرين عندما تنتقل الملكية على الشبكة، وكيف يظل هذا السجل مرجعًا قانونيًا وضريبيًا. كما يسأل عن آلية تنفيذ التوزيعات والاسترداد وإجراءات الشركات طوال عمر الأداة، وعن الجهة المسؤولة إذا وقع خلل. هذه كلها أسئلة تتعلق بخدمات الأصول، وهي الطبقة التي تأخرت في جانب كبير من السوق سنوات عن طبقة الإصدار.
رد الفعل البديهي هو رقمنة العمليات القائمة: الإبقاء على ما يفعله مديرو الصناديق ووكلاء التحويل اليوم، ثم إضافة واجهة بلوكتشين إليه. لكن ذلك لن يكون كافيًا. فبعض عناصر نموذج خدمات الأصول التقليدي تحتاج إلى إعادة تصميم حول بنية مختلفة جذريًا لحفظ السجلات، لا إلى واجهة رقمية جديدة فحسب.
توضح إدارة الصناديق هذا الفارق. فالهياكل المتوكنة لا تلغي دور مدير الصندوق، لكنها تغير معنى الإدارة نفسها. يجب أن تستوعب عملية احتساب صافي قيمة الأصول البيانات المسجلة على الشبكة إلى جانب بيانات الحفظ والمحاسبة. كما يجب أن تشمل المطابقة عالمين مختلفين لحفظ السجلات، هما الشبكة والدفاتر، مع قواعد واضحة تحدد أي سجل تكون له الأولوية عند ظهور فروق.
أما سجلات المستثمرين فتتغير بصورة أعمق. في الأسواق التقليدية، يمثل وكيل التحويل السجل المعتمد. وفي الأسواق المتوكنة، تسجل الشبكة حركة الملكية، لكن السجل القانوني الذي يحدد المالك أمام القضاء أو الجهة التنظيمية أو السلطة الضريبية لا يزال يحتاج إلى طرف مسؤول. لذلك، لا يتجه النموذج الناشئ إلى إلغاء وكيل التحويل، بل إلى إعادة صياغة دوره. فمعايير التوكنات القائمة على الأذونات، مثل ERC-3643، تربط الملكية بهوية موثقة على الشبكة، وتدمج شروط الأهلية وقيود التحويل داخل التوكن نفسه، وتتيح للجهة المصدرة أو وكيل التحويل استرداد التوكنات وإعادة تخصيصها عند الحاجة. وبذلك، يتحول الامتثال من فحص دوري إلى شرط لإتمام التسوية. هذه إعادة تصميم للنموذج وليست مجرد رقمنة له.
يمتد المنطق نفسه إلى خدمة دورة حياة الأصل. فالتوزيعات، وطلبات رأس المال، وعمليات الاسترداد، والتقارير، يجب أن تطابق النشاط المسجل على الشبكة مع القوائم المالية المدققة، لا أن تختار أحدهما على حساب الآخر. ومن اللافت أن المشاركين في دراستنا، عندما سئلوا عن المجالات التي تحتاج بصورة أكثر إلحاحًا إلى تنسيق تنظيمي، وضعوا متطلبات الحفظ الآمن والأمانة وقواعد حفظ السجلات على دفاتر السجلات الموزعة في صدارة القائمة، بنسبة 46% لكل منهما. فالأسئلة المفتوحة أمام السوق هي في جوهرها أسئلة خدمات وتشغيل.
هناك واقع عملي آخر: عدد قليل جدًا من المؤسسات يستطيع بناء هذه القدرة منفردًا. ووفق دراستنا، يعتمد 44% من مصنعي الصناديق ومديريها على مزودي خدمات من أطراف ثالثة لتلبية معظم احتياجاتهم في التوكنة، فيما يعهد 25% آخرون بهذه الاحتياجات بالكامل إلى جهات خارجية. والمفارقة أن هذا الاعتماد لا يتراجع مع ازدياد حجم المؤسسة. فالمورد النادر ليس التكنولوجيا، بل الخبرة الهجينة؛ أي الأشخاص الذين يجمعون بين فهم دفاتر السجلات الموزعة واستيعاب التنظيم والحفظ والحوكمة وعمليات أسواق رأس المال. وأكثر من نصف الشركات التي تخطط للتوظيف ترى أن العثور على هذا النوع من الكفاءات يمثل تحديًا.
لذلك، لا تتمثل النتيجة العملية في نموذجين متوازيين، أحدهما للأصول التقليدية والآخر للأصول الرقمية، بل في بنية تشغيلية واحدة لخدمات الأصول تتعامل مع الحيازات المتوكنة والتقليدية باعتبارها صيغًا مختلفة للالتزام الأساسي نفسه: عملية إدارة واحدة، وإطار حوكمة واحد، ومنظومة تقارير واحدة. وهذه القناعة نفسها هي التي دفعت مجموعة أبيكس إلى إدخال تقنية التوكنة ضمن بنيتها عبر توكني (Tokeny)، وربطها بإدارة الصناديق ووكالة التحويل والامتثال ضمن نموذج تشغيل موحد.
الاختبار الحقيقي لأي تصور حول خدمات الأصول هو أن يكون قيد التشغيل، لا أن يبقى مجرد خطة. لدى مجموعة أبيكس اليوم ثلاثة صناديق متوكنة تعمل على منصتنا، وتدار وتطابق سجلاتها وتصدر تقاريرها ضمن الإطار التشغيلي نفسه المستخدم للحيازات التقليدية، مع مسار عمل رقمي مطور. وفي أبوظبي، تدعم فندروك (FundRock)، وهي شركة إدارة الصناديق التابعة لنا، صناديق متوكنة ضمن إطار سوق أبوظبي العالمي (ADGM). ويظهر ذلك أن شركة إدارة خاضعة للتنظيم، ومديرًا للصندوق، وطبقة للتوكنة، يمكن أن تعمل ضمن هيكل واحد وتحت إشراف جهة تنظيمية واحدة.
وقد وسعنا هذه البنية بالفعل لتشمل عملية الاكتتاب نفسها. ويقبل أحد عملائنا حاليًا مدفوعات اكتتاب المستثمرين بالعملات المستقرة من خلال حل متكامل من البداية إلى النهاية، بما يسمح بتسوية الجانب النقدي من الاستثمار في الصندوق بالسرعة والقابلية للبرمجة نفسيهما اللتين تتمتع بهما الوحدات المصدرة. وبصفتنا عضوًا في جمعية العملات المستقرة في الشرق الأوسط (Middle East Stablecoin Association)، نرى أن العملات المستقرة والتوكنة تكتسبان طابعًا مؤسسيًا على امتداد المنظومة، من معايير الجهات المصدرة ومتطلبات الاحتياطي إلى حالات استخدام التسوية. وتمثل عملية الاكتتاب النقطة التي يلتقي عندها هذا النضج مع دورة حياة الصندوق.
الصناديق المتوكنة التي تعمل اليوم ليست مشاريع تجريبية. إنها حالات تشغيلية فعلية، وتكمن أهميتها في أنها تجيب عن الأسئلة التي يطرحها المستثمرون بالفعل.
غالبًا ما يجري التقليل من حجم الطلب، ولا سيما في منطقة الخليج. وقد أظهرت دراستنا أن المستثمرين من ذوي الملاءة المالية العالية هم الفئة الأكثر تقبلًا للمنتجات المتوكنة، وفق 63% من المشاركين. كما أن توسيع وصول المستثمرين يمثل المحرك الاستراتيجي الأول للتوكنة عالميًا، إذ اختاره 42% بوصفه الدافع الرئيسي.
يأخذ هذا الطلب طابعًا خاصًا في الشرق الأوسط. فقد أصبحت مكاتب العائلات جهات مؤسسية قائمة بذاتها، وانتقلت من التخصيص السلبي للأموال إلى الصفقات المباشرة والاستثمار المشترك ورعاية الصناديق. وهذا النوع من رأس المال منفتح بالفعل على الهياكل المتوكنة عندما تعالج مشكلات حقيقية، مثل تجزئة ملكية الأصول غير السائلة، وتبسيط الاكتتاب والاسترداد، وتمكين التوزيع عبر الحدود مع امتثال مدمج في العملية. لكن رأس المال الذي طور حوكمته الداخلية يتوقع المستوى نفسه من المنتجات التي يشتريها. وتساعد الأطر التنظيمية القائمة في دولة الإمارات، عبر سلطة تنظيم الخدمات المالية (FSRA) في سوق أبوظبي العالمي وسلطة دبي للخدمات المالية (DFSA) في مركز دبي المالي العالمي (DIFC)، بما توفرانه من أطر للأوراق المالية الرقمية وهياكل الصناديق المتوكنة، إلى جانب سلطة دبي لتنظيم الأصول الافتراضية (VARA) التي تتولى ترخيص مزودي خدمات الأصول الافتراضية والإشراف عليهم، بما في ذلك أمناء الحفظ، في تهيئة البيئة التي تسمح بمشاركة المؤسسات.
اتبعت كل ابتكارات القطاع المالي التي استمرت، من صناديق الاستثمار المشتركة وصناديق التداول الفورية إلى منصات الأسواق الخاصة، المسار نفسه: مرحلة من التجريب، ثم بناء متأن للمنظومة التشغيلية والتنظيمية التي جعلتها اعتيادية وموثوقة وقابلة للتوسع. تدخل التوكنة اليوم هذه المرحلة الثانية. ولن يتحدد الفائزون بمن أصدر أول توكن، بل بمن بنى البنية التحتية التي تسمح للأسواق المتوكنة بالعمل يوميًا، وعلى نطاق واسع، وتحت التنظيم، ومن دون ضجيج.
أثبتت المشاريع التجريبية جدوى الفكرة. أما البنية التحتية، فهي التي ستثبت جدوى السوق.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
اختيارات المحرر

طبقة التنسيق المفقودة في توسع الأصول الرقمية المؤسسية
جوليان سوير
١٨ أغسطس ٢٠٢٦
5 دقيقة

ما وراء الوصول إلى الأصول الرقمية: كيف تبني ARP Digital بنية رأس المال الرقمي في الإمارات؟
انا ماريا قشوع
١٧ أغسطس ٢٠٢٦
8 دقيقة

مقابلة حصرية: بنجامين غروليموند يتحدث عن ترخيص VARA واستراتيجية نمو "فليبستر"
انا ماريا قشوع
٤ أغسطس ٢٠٢٦
4 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

"بيتكوين دوت كوم" و"يونيفيرسال" تطلقان شراكة لإضافة عملة USDU المستقرة إلى المحفظة
مكتب التحرير
١٩ أغسطس ٢٠٢٦
3 د

مشروع تجريبي إقليمي لاختبار حماية الأصول الرقمية من هجمات الحوسبة الكمومية
مكتب التحرير
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
7 د

VARA تمنح أربيت الترخيص الكامل مع اقتراب إطلاق منصتها
وليد أبو زكي
١٨ أغسطس ٢٠٢٦
5 د

ما وراء الوصول إلى الأصول الرقمية: كيف تبني ARP Digital بنية رأس المال الرقمي في الإمارات؟
انا ماريا قشوع
١٧ أغسطس ٢٠٢٦
8 د