عملات مستقرة ومدفوعات
مشاركة

سن
محررة رئيسية - لغة إنكليزية
تتسارع المنافسة العالمية على بنية التسوية الرقمية، مع تبني الولايات المتحدة وأوروبا والصين والإمارات مقاربات مختلفة لتوظيف العملات المستقرة وبلوكتشين في حركة الأموال عبر الحدود.
لعقود طويلة، بُني النفوذ المالي العالمي حول السيطرة على الأنظمة النقدية وشبكات الدفع وبنية التسوية. وقد تعززت مكانة الدولار الأميركي عالميًا، ليس فقط من خلال دوره في التجارة والاحتياطيات، بل أيضًا عبر الشبكات المالية التي تتيح انتقال الأموال عبر الحدود.
واليوم، تشهد هذه البنية توسعًا ملحوظًا، مع دخول تقنيات جديدة إلى النظام المالي العالمي.
فأنظمة الدفع القائمة على تقنية بلوكتشين والعملات المستقرة تضيف طبقة جديدة إلى التمويل العالمي، إذ تربط الأصول الرقمية بمجالات كانت تهيمن عليها البنوك والمؤسسات المركزية تقليديًا، مثل التسوية عبر الحدود، وإدارة السيولة، والمدفوعات، والبنية التحتية المالية.
وبالتالي، تتركز المنافسة بشكل متزايد على تحديد المعايير والأطر التنظيمية والشبكات التي ستدعم حركة الأموال الرقمية مستقبلًا.
اتخذت الولايات المتحدة خطوات نحو إنشاء إطار تنظيمي يهدف إلى دمج العملات المستقرة في النظام المالي الأوسع.
وفي هذا السياق، وضع قانون GENIUS، الذي أُقر عام 2025، متطلبات فيدرالية للعملات المستقرة المستخدمة في المدفوعات، بما في ذلك قواعد تتعلق بدعم الاحتياطيات والشفافية والإشراف على الجهات المصدرة.
ويمثل هذا التشريع خطوة مهمة في تحديد كيفية عمل الدولارات الرقمية الصادرة عن القطاع الخاص ضمن الأسواق المنظمة.
ويفسر حجم السوق هذا الاهتمام المتزايد من جانب صانعي السياسات. فقد ارتفعت القيمة السوقية للعملات المستقرة من نحو 200 مليار دولار في أوائل عام 2025 إلى أكثر من 300 مليار دولار بحلول عام 2026، وفقًا لبيانات CoinGecko وDeFiLlama، مع هيمنة الأصول المدعومة بالدولار الأميركي على الحصة الأكبر من المعروض. ولا تزال عملتا USDT من Tether وUSDC من Circle تسيطران على غالبية سيولة العملات المستقرة عالميًا.
ويمنح الوضع الحالي للدولار أساسًا متينًا لهذا التوسع؛ فبحسب بيانات صندوق النقد الدولي، يمثل الدولار الأميركي نحو 58% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية المخصصة، محافظًا على مكانته كعملة الاحتياط الرئيسية عالميًا.
لذلك، أصبح النقاش التنظيمي حول العملات المستقرة مرتبطًا بشكل وثيق بمستقبل البنية التحتية للمدفوعات القائمة على الدولار.
وفي الوقت عينه، تتجه شركات الدفع التقليدية إلى هذا المجال أيضًا. ويجسد توسع Visa في خدمات العملات المستقرة عبر منصة Visa Stablecoin Platform (VSP) كيفية استكشاف شبكات الدفع الراسخة لإمكانات التسوية القائمة على بلوكتشين، بالتوازي مع الأنظمة المالية الحالية.
ركز نهج الصين على البنية التحتية المدعومة من الدولة وتعزيز الرقابة على أنظمة الدفع الرقمية.
وفي هذا الإطار، أمضى بنك الشعب الصيني سنوات في تطوير اليوان الرقمي (e-CNY)، وتوسيع نطاق برامجه التجريبية في مختلف المدن، واختبار تطبيقات تتراوح بين مدفوعات التجزئة والمعاملات عبر الحدود.
كما شاركت الصين في تجارب دولية للتسوية الرقمية، بما في ذلك مشروع mBridge، وهو مبادرة من مركز الابتكار التابع لبنك التسويات الدولية، بمشاركة سلطة النقد في هونغ كونغ، وبنك الشعب الصيني، وبنك التسويات الدولية، وبنوك مركزية أخرى.
واستكشف المشروع كيفية توظيف تقنية السجلات الموزعة لدعم تسوية أسرع للمعاملات عبر الحدود بين المؤسسات المالية.
وفي الوقت نفسه، برزت هونغ كونغ كساحة اختبار رئيسية للبنية التحتية للأصول الرقمية الخاضعة للتنظيم.
فقد أصدرت المنطقة قانون العملات المستقرة في عام 2025، الذي وضع إطارًا ترخيصيًا للجهات المصدرة للعملات المستقرة المرتبطة بالعملات الورقية. وتُلزم القواعد الجهات المصدرة بالحصول على ترخيص، والاحتفاظ باحتياطيات كافية، والوفاء بمتطلبات الحوكمة والاسترداد.
ويعكس نهج هونغ كونغ تركيزًا على دمج العملات المستقرة في الأسواق المالية المنظمة. كما ركزت المناقشات الأولية بشأن الترخيص على مشاركة المؤسسات المصرفية، بدلًا من تبني الأصول الرقمية بشكل حصري.
إضافة إلى ذلك، واصلت المدينة توسيع تجارب اليوان الرقمي، ما يعزز دورها كحلقة وصل بين النظام المالي في الصين والأسواق الدولية.
اتخذت أوروبا نهجًا تنظيميًا في المقام الأول تجاه الأصول الرقمية، مع التركيز على وضع قواعد واضحة للمشاركين في السوق وتعزيز الرقابة على البنية التحتية للمدفوعات.
وقد أرست لائحة تنظيم أسواق الأصول المشفرة (MiCA) أحد أكثر أطر الأصول الرقمية شمولًا في العالم، من خلال فرض متطلبات على مزودي خدمات الأصول الرقمية ومصدري العملات المستقرة.
وبموجب لائحة MiCA، يجب على مصدري رموز النقود الإلكترونية والرموز المرجعية للأصول الالتزام بمتطلبات تشمل الاحتياطيات والحوكمة وحماية المستهلك.
وفي الوقت عينه، يواصل البنك المركزي الأوروبي العمل على اليورو الرقمي، المصمم كأداة دفع رقمية مدعومة من البنك المركزي وتكمل أنظمة الدفع الحالية.
وتعكس هذه الاستراتيجية مخاوف أوروبية بشأن الاعتماد على شبكات الدفع الخارجية. ومع تزايد رقمنة الأموال، أصبحت السيطرة على البنية التحتية للمدفوعات قضية استراتيجية للهيئات التنظيمية.
طورت الإمارات العربية المتحدة نهجًا متميزًا يركز على إنشاء بنية تحتية تنظيمية للأصول الرقمية والعملات المستقرة والأسواق المالية الممثلة رقميًا.
وبدلًا من النظر إلى الأصول الرقمية باعتبارها فئة استثمارية فحسب، أنشأت الدولة أطرًا تهدف إلى جذب المشاركة المؤسسية ودمج الأنظمة القائمة على تقنية بلوكتشين في النشاط المالي الأوسع.
وقد وُضعت الأسس في وقت مبكر، إذ أطلق سوق أبوظبي العالمي أحد أوائل الأطر التنظيمية الشاملة للأصول الرقمية من خلال هيئة تنظيم الخدمات المالية في عام 2018، ليغطي أنشطة تشمل البورصات وأمناء الحفظ ووسطاء الأصول الرقمية.
وتبع ذلك إنشاء هيئة تنظيم الأصول الافتراضية (VARA) في دبي عام 2022، لتصبح جهة تنظيمية متخصصة مسؤولة عن الإشراف على أنشطة الأصول الافتراضية في الإمارة.
وبذلك، تتبنى الإمارات نهجًا يعتبر التنظيم جزءًا لا يتجزأ من البنية التحتية المالية.
وامتد هذا النهج ليشمل الأصول الرقمية التي تركز على المدفوعات؛ إذ فرضت لائحة خدمات ممثلات الدفع الرقمية الصادرة عن مصرف الإمارات المركزي متطلبات تتعلق بالترخيص وإدارة الاحتياطيات وحماية المستهلك لأنشطة ممثلات الدفع الرقمية.
وقد فتح هذا التوجه التنظيمي الباب أمام نقاش أوسع حول كيفية تفاعل العملات المستقرة ورموز الإيداع مع القطاع المصرفي، في ظل سعي المؤسسات المالية إلى استكشاف نماذج التسوية القائمة على تقنية البلوكتشين.
وترتبط استراتيجية الإمارات في مجال العملات المستقرة ارتباطًا وثيقًا بمكانتها كمركز عالمي للتجارة والتمويل.
وتبرز شراكة شركة Tether مع مركز دبي للسلع المتعددة (DMCC) كيفية استكشاف العملات المستقرة خارج نطاق بيئات التداول، مع تطبيقات محتملة في التجارة والتسوية عبر الحدود.
وبالمثل، يعكس توسع شبكات العملات المستقرة المؤسسية، مثل USDU في الإمارات، الطلب المتزايد على حلول التسوية الرقمية المنظمة والمصممة خصيصًا للمؤسسات المالية.
وبالتالي، يرتبط دور الإمارات في هذا السوق بشكل متزايد بالربط الشبكي، إذ تعمل على وصل رؤوس الأموال العالمية وتدفقات التجارة الإقليمية بالبنية التحتية المنظمة للأصول الرقمية.
يشير تطوير أطر العملات المستقرة في الاقتصادات الكبرى إلى ظهور بيئة عالمية أكثر تنوعًا للمدفوعات الرقمية.
فالولايات المتحدة تعمل على بناء نظام بيئي منظم حول العملات المستقرة المدعومة بالدولار.
وفي المقابل، تعمل أوروبا على تطوير بنية تحتية للمدفوعات الرقمية ضمن إطار تنظيمي شامل.
أما الصين، فتواصل تطوير أنظمة تسوية رقمية مدعومة من الدولة.
في حين تسعى الإمارات إلى ترسيخ مكانتها كممر مالي منظم يربط أنشطة الأصول الرقمية الدولية.
وعلى الرغم من اختلاف هذه المقاربات، فإنها تعكس جميعًا أولوية استراتيجية واحدة: تشكيل الأنظمة التي تنتقل عبرها الأموال.
وبالتالي، قد يتطور النظام المالي العالمي من خلال شبكات تسوية رقمية متعددة تعمل عبر ولايات قضائية وعملات ونماذج تنظيمية مختلفة.
لا تقتصر أهمية العملات المستقرة على كونها تمثيلات رقمية للعملات قائمة على تقنية بلوكتشين، بل تمتد إلى مجالات أوسع تشمل المدفوعات والسياسة النقدية والتنظيم والبنية التحتية المالية.
وفي هذا السياق، تعمل البنوك على تطوير أنظمة تسوية تعتمد على الأصول الممثلة رقميًا، بينما تضع الحكومات أطرًا تنظيمية، وتتنافس المراكز المالية على استقطاب الشركات التي تبني البنية التحتية للأصول الرقمية.
كما تتكيف الشبكات المالية التقليدية مع هذا التحول. وتُظهر مبادرات سويفت في مجال تقنية البلوكتشين، بالتعاون مع البنوك العالمية، كيفية استكشاف مزودي البنية التحتية الراسخة للمدفوعات للودائع الممثلة رقميًا ونماذج التسوية القائمة على البلوكتشين.
وبناءً على ذلك، ستشمل المرحلة التالية من المنافسة في القطاع المالي بشكل متزايد البنية التحتية التي تقف وراء المال نفسه: كيفية إصدار القيمة ونقلها وتسجيلها وتسويتها.
وفي النهاية، أصبحت العملات المستقرة من أوضح الأمثلة على انتقال تقنية بلوكتشين من مجرد تجربة سوقية إلى عنصر استراتيجي في البنية المالية العالمية.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
اختيارات المحرر
في نفس المجال

العملات المستقرة تفقد 7.7 مليارات دولار رغم تسجيل تداولات قياسية بقيمة 1.79 تريليون دولار
مكتب التحرير
٢٨ يوليو ٢٠٢٦
6 د

بنك التسويات الدولية يحذر من قدرة العملات المستقرة بالدولار على تجاوز ضوابط رأس المال
مكتب التحرير
٢٢ يوليو ٢٠٢٦
3 د

سوق أبوظبي العالمي يعتمد XAU₮ كأصل ممثّل رقميًا للذهب
مكتب التحرير
٢٠ يوليو ٢٠٢٦
3 د

طيران الإمارات يتيح الدفع عبر Crypto.com Pay لتوسيع خيارات الدفع الرقمية
مكتب التحرير
٢٨ يوليو ٢٠٢٦
4 د



