رأي
مشاركة

مع
المؤسس والرئيس التنفيذي • فيوز فاينانس
هل تساءلت يوماً عن مسارات الدفع التي تمر عبرها معاملة مالية معينة؟ ما لم تكن تعمل في القطاع المالي، فمن المرجح أنك لم تطرح هذا السؤال قط. فالعميل لا يهتم فعلياً بالطريقة التي تنتقل بها الأموال، ما دامت تصل بسرعة وموثوقية وسلاسة، وبتكلفة مناسبة. وبالنسبة إلى العميل المصرفي، فإن أفضل بنية تحتية هي تلك التي لا يضطر إلى التفكير فيها من الأساس.
وهنا تبرز أمام البنية التحتية للأصول الرقمية فرصة استثنائية لتصبح جزءاً أساسياً من عالم التمويل الناضج. وحتى اليوم، قاس قطاع الأصول الرقمية نجاحه بعدد الحسابات أو المحافظ المفتوحة، وحجم تداول الأصول الرقمية.
ووفقاً لأحدث تقرير صادر عن Crypto.com حول سوق العملات الرقمية، يقترب عدد مستخدمي العملات الرقمية حول العالم من 800 مليون شخص. وفي الوقت نفسه، تقدّر Chainalysis أن العملات المستقرة عالجت معاملات اقتصادية فعلية بقيمة 28 تريليون دولار عبر الشبكات خلال العام الماضي.
وأسهمت هذه المؤشرات في ترسيخ أهمية القطاع، ونقله من مشاريع هامشية تجريبية إلى استثمارات مؤسسية مشروعة. وربما لاحظ البعض أن عدداً أقل من شركات بلوكتشين الناشئة يستخدم اليوم كلمة «مشروع»، لأنها توحي بالتجربة، بينما لا تُبنى المصداقية على مشاريع مضاربية.
يندمج قطاع الأصول الرقمية تدريجياً في الخدمات المالية اليومية، وسيواصل نموه كجزء منها. ويشمل ذلك تسريع المدفوعات العابرة للحدود، وتطوير منصات لإدارة الثروات تُمثَّل من خلالها أصول العالم الحقيقي رقمياً، وتوفير خدمات تحويل أموال منخفضة التكلفة عبر التطبيقات اليومية، واستخدام العملات المستقرة في التسوية لتحسين العمليات التجارية، إلى جانب تطوير قدرات جديدة تدعم البيئات المنظمة والمختبرة.
ومن موقعها الهامشي سابقاً، ستنتقل الأصول الرقمية إلى قلب المنظومة المالية. فبدلاً من إضافة الملايين إلى ثروات عدد محدود من الرواد الأوائل، ستساعد ملايين الأشخاص في إدارة ثرواتهم بصورة يومية.
وفي فيوز فاينانس، تبنّينا منذ البداية رؤية طويلة الأمد تقوم على أن القوة الحقيقية للأصول الرقمية تكمن في تقنياتها المتقدمة وقدرتها على توفير خدمات مالية مفيدة بالفعل.
من أبرز التحولات التي شهدناها منذ تأسيس فيوز فاينانس في أواخر عام 2022، بدء المصارف بتوفير منتجات الأصول الرقمية عبر تطبيقاتها، ما أتاح للعملاء وصولاً أوسع إليها.
أما الخطوة التالية، التي نعمل عليها بالفعل مع المؤسسات المالية، فتتمثل في بناء نماذج تستطيع من خلالها الأصول الرقمية تحسين البنية التحتية للخدمات المالية وتجربة العملاء بالكامل. وهذه فرصة هائلة ستسهم في تشكيل مستقبل القطاع المالي.
لنأخذ مثالاً على ذلك عميلاً يريد إجراء تحويل مالي. تقليدياً، تمر هذه العملية عبر عدد كبير من الوسطاء وطبقات متعددة من التكاليف، ما يؤدي إلى فرض رسوم تتراوح بين 4 و6%، وقد تتجاوز ذلك أحياناً.
وبالنسبة إلى المؤسسات وعملائها، تستطيع مسارات العملات المستقرة اختصار مدة التحويل من أيام إلى ثوانٍ، وبتكلفة لا تتجاوز جزءاً بسيطاً من الرسوم الحالية. لذلك، لا يُعد دمج الأنظمة القائمة على بلوكتشين في الخدمات المالية خياراً منطقياً فحسب، بل يمثل أيضاً ميزة تشغيلية كبيرة.
من المفهوم أن المؤسسات المالية القائمة تعاملت بحذر مع فكرة إعادة هيكلة أنظمتها لإفساح المجال أمام الابتكار القائم على بلوكتشين. فإذا كان الجميع يتعامل معك بالفعل، فلماذا تغيّر طريقة عملك؟
لكن الوضع يشبه إلى حد كبير المتاجر الكبرى التي انتقلت من كونها ركناً أساسياً في قطاع التجزئة إلى مبانٍ فارغة، بعدما ظهرت منصات التجارة الإلكترونية مثل أمازون.
تتمتع المؤسسات الكبرى اليوم بميزة هائلة، لأنها تحظى بالفعل بثقة العملاء، وتفهم المتطلبات التنظيمية وتعمل ضمنها، كما تمتلك رأس المال اللازم. لكن على غرار المتاجر الكبرى، لا تستطيع المؤسسات المالية الاعتماد على أنظمة الماضي.
وإذا فعلت ذلك، فلا مبالغة في القول إن فرصتها في المنافسة ستنتهي. لذلك، أصبح التحرك الآن لتطوير البنية التحتية للأصول الرقمية ضرورة استراتيجية.
كتب بوب إيغر، الرئيس التنفيذي السابق لشركة ديزني، في كتابه The Ride of a Lifetime: «إذا كنت تعمل في مجال صناعة الأشياء، فاعمل على صناعتها بإتقان».
هذا هو التحدي الذي تواجهه المؤسسات المالية اليوم في ما يتعلق بالبنية التحتية للأصول الرقمية: هل يمكن لهذه التكنولوجيا أن تجعل النظام المالي بأكمله أفضل؟
قبل عشر سنوات، ربما بدت هذه الفكرة غير قابلة للتصور، أما اليوم فلم يعد بالإمكان إنكارها.
لكن هناك حقيقة غير مريحة، وهي أن اختيار الشريك الخطأ قد تكون له عواقب كارثية على المؤسسات المالية. ولهذا السبب، تُعد البنية التحتية القوية والمنظمة، والمدعومة بمعايير امتثال مؤسسية، أمراً أساسياً.
ويثير ذلك سؤالين رئيسيين: لماذا لا تبني المؤسسات بنيتها التحتية للأصول الرقمية بنفسها؟ وما الجوانب التي يجب أخذها في الاعتبار عند اختيار مزود خارجي؟
بالنسبة إلى السؤال الأول، تستطيع المؤسسات نظرياً بناء هذه البنية بنفسها، لكن التكاليف والموارد اللازمة لتشغيل خدمات متخصصة في الأصول الرقمية على مدار الساعة تجعل هذا الخيار غير عملي.
فالتنفيذ والسيولة والحفظ والتسوية وأدوات الامتثال وإعداد التقارير، جميعها تتطلب خبرات هندسية وقدرات تشغيلية ورؤوس أموال كبيرة. وهناك طبقات كثيرة قد تشتت المؤسسات عن خدماتها المصرفية الأساسية.
أما السؤال الثاني، فيرتبط باختيار النموذج المناسب لاحتياجات كل مؤسسة.
يمكن تقديم خدمات الأصول الرقمية للمؤسسات من خلال نموذج يحمل علامتها التجارية، أو نموذج معلن بالكامل، أو نموذج هجين يجمع بين الاثنين. وقد تحدد مجموعة من العوامل النموذج الأنسب، من بينها نطاق أعمال المؤسسة والخدمات المحددة التي تقدمها.
كذلك، يجب تحديد المسؤوليات بوضوح، لأن الاستعانة بتكنولوجيا خارجية لا تعني نقل المسؤولية والمساءلة إلى طرف آخر.
لذلك، غالباً ما تتحدد جودة العلاقة بين المؤسسة المالية ومزود خدمات الأصول الرقمية بمدى قوة العمليات القابلة للتدقيق، ودمج الامتثال في مختلف المراحل، ووجود ضوابط للمخاطر على مستويات متعددة.
وببساطة، يجب أن يؤدي التعاون مع مزود البنية التحتية المناسب إلى تحسين الأنظمة، لا إلى إضافة نقاط ضعف جديدة إليها. أما المعادلة الناجحة، فتجمع بين جودة تجربة المستخدم وقوة البنية التقنية التي تعمل خلفها.
ومن خلال الشراكة المناسبة، تستطيع المؤسسات التركيز على نقاط قوتها مع الحفاظ على الرقابة اللازمة. وفي نهاية المطاف، تظل الميزة المستدامة للمصرف قائمة على بناء ثقة العملاء من خلال جودة قنوات التوزيع وتقديم منتجات مالية تلائم احتياجاتهم.
شاركت أخيراً في عدد من الفعاليات العالمية، وكان هناك موضوع يتكرر باستمرار: ما رؤيتي لمستقبل التشغيل البيني عبر الحدود؟
في ظل تجزؤ الأنظمة المصرفية، من غير المرجح أن يعتمد العالم، في المستقبل المنظور، مساراً عالمياً واحداً أو معياراً تقنياً موحداً. لذلك، نحتاج إلى بنية تحتية تتيح لأنظمة الدفع المحلية والشبكات المصرفية الدولية ومسارات تسوية العملات المستقرة العمل معاً.
ويتمثل الحل العملي في بناء طبقة مرخصة للتشغيل البيني تربط البنية التحتية المصرفية القائمة بمسارات العملات المستقرة والأصول الرقمية، مع الحفاظ على متطلبات الامتثال والتسوية واحتياجات الأسواق المحلية.
وبهذه الطريقة، لا نعالج مسألة نقل القيمة فحسب، بل نضمن أيضاً انتقال بيانات الامتثال والهوية والتقارير والمتطلبات التنظيمية المحلية مع المعاملة نفسها.
ويتمثل أحد التحديات الرئيسية الأخرى في المرحلة النهائية لتحويل الأموال، سواء إلى العملة المحلية أو الحسابات المصرفية أو المحافظ الرقمية. ويجب جعل هذه العملية أقل تكلفة وأكثر كفاءة.
ومن شأن الانتقال إلى هذا النظام تمكين المؤسسات من اختيار المسار الأكثر فاعلية لكل معاملة. وفي سياق اندماج الأصول الرقمية في الخدمات المالية، يمكن تنفيذ ذلك من دون أن يحتاج العميل إلى معرفة نوع البنية التحتية التي تعمل في الخلفية.
إلى ذلك، أعتقد أننا وصلنا بالفعل إلى مرحلة أصبحت فيها الأصول الرقمية جزءاً من التيار المالي السائد. ولن ينظر أفراد الجيل زد الأصغر سناً، الذين لا يزالون في سنوات المراهقة اليوم، إلى الأصول الرقمية مستقبلاً باعتبارها منفصلة عن بقية النظام المالي.
أما بالنسبة إلى المؤسسات، فلا يمثل هذا التحول سوى تطور في العمليات وتحسين استراتيجي للأنظمة.
تستفيد جميع الأطراف عندما تنتقل الأموال بسرعة وكفاءة أكبر. وقد يبدو اندماج الأصول الرقمية في طريقة عمل المؤسسات وكأنها تختفي داخل الخدمات المالية، لكنني أرى أن ما يحدث يتجاوز ذلك بكثير.
فهي تنتقل من الهامش إلى صميم الطريقة التي تُبنى بها الأنظمة المالية وتُدار يومياً. وفي النهاية، يعني تحقيق الإمكانات الفعلية للأصول الرقمية بناء منظومة مالية تعمل بكفاءة أكبر.
تأتي هذه المساهمة ضمن UNLOCK Leadership. وتعكس الآراء الواردة فيها وجهة نظر الكاتب، ولا تمثل بالضرورة الموقف التحريري لأنلوك بلوكتشين.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
اختيارات المحرر
في نفس المجال

السعودية تنهي مشاركتها في مشروع mBridge للمدفوعات العابرة للحدود
مكتب التحرير
٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦
4 د
البنك المركزي الأوروبي يطلق نظام "Pontes" لتسوية الأصول الممثلة رقمياً
مكتب التحرير
٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦
4 د

المفوضية الأوروبية تطلق مراجعة جديدة لإطار تنظيم الأصول الرقمية MiCA
مكتب التحرير
٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦
3 د

العملات المستقرة حلّت معضلة التحويل... و«سليم» تراهن على الميل الأخير
علا راجح
٢١ سبتمبر ٢٠٢٦
8 د