بنية تحتية وتوسّع
مشاركة

وأ
الرئيس التنفيذي & رئيس التحرير
عندما وجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الشكر إلى الشركات التي اختارت الاستثمار في فرنسا عقب قمة «اختر فرنسا» الأخيرة، برز اسمان إماراتيان بوضوح: إم جي إكس (MGX) وفينيكس غروب (Phoenix Group).
انعقدت النسخة التاسعة من القمة في قصر فرساي في الأول من يونيو 2026، في وقت تعمل فيه باريس على جذب استثمارات لا تدعم اقتصادها الصناعي فحسب، بل تعزز أيضًا قدرة فرنسا وأوروبا على بناء بنية تحتية محلية للذكاء الاصطناعي.
في هذا السياق، تتجاوز أهمية استثمارات إم جي إكس وفينيكس قيمة المشروعات المعلنة بشكل منفصل.
فإم جي إكس توسّع التزامها تجاه مشروع «كامبس إيه آي»، أحد أكبر مشروعات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في فرنسا. وفي المقابل، تستخدم فينيكس مركز بيانات مخصصًا للذكاء الاصطناعي قرب مدينة ليون كنقطة انطلاق نحو منصة حوسبة أوسع في أوروبا ومنطقة الخليج.
وتكشف الخطوتان كيف أصبح رأس المال الإماراتي، إلى جانب الخبرة في الطاقة والبنية التحتية الرقمية، جزءًا من مسعى فرنسا لقيادة التوسع الأوروبي في الذكاء الاصطناعي.
فباريس لا تسعى فقط إلى جذب الشركات الناشئة والباحثين ومطوري النماذج، بل إلى تأمين الكهرباء والأراضي وشبكات الطاقة ومراكز البيانات والاستثمارات التي تسمح بتشغيل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
لم يعد السباق العالمي في الذكاء الاصطناعي قائمًا فقط على جودة النماذج أو عدد المهندسين والباحثين.
فتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي وتشغيلها يتطلبان قدرات حوسبة ضخمة، وطاقة كهربائية مستقرة، وشبكات تبريد، وأراضي صناعية، واتصالًا مباشرًا بشبكات الطاقة.
ومن دون هذه العناصر، قد تبقى الدول التي تمتلك جامعات قوية وشركات تكنولوجية متقدمة معتمدة على بنية تحتية يملكها ويديرها آخرون.
هنا تحاول فرنسا تغيير المعادلة.
فهي تسعى إلى أن تصبح قاعدة أوروبية لمشروعات الحوسبة واسعة النطاق، مستفيدة من شبكتها النووية، وقدرتها على توفير كهرباء منخفضة الانبعاثات نسبيًا، إضافة إلى الأراضي الصناعية والدعم السياسي للمشروعات التي تصنفها الدولة بوصفها استراتيجية.
ومن هذا المنظور، لا يبدو اهتمام ماكرون بإم جي إكس وفينيكس مجرد امتداد لحملة تقليدية لجذب الاستثمارات الأجنبية.
فالشركتان تعملان في طبقة تعتبرها باريس اليوم أساسية لمستقبل السيادة التكنولوجية الفرنسية والأوروبية: طبقة الطاقة والحوسبة ومراكز البيانات.
تمثل إم جي إكس الجانب الأكبر من الالتزامين الإماراتيين.
وتعمل الشركة الاستثمارية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، ومقرها أبوظبي، مع بنك الاستثمار العام الفرنسي «بي بي آي فرانس» على تطوير وتوسيع مشروع «كامبس إيه آي».
ويضم المشروع ضمن منظومته الأوسع شركة ميسترال إيه آي الفرنسية، إلى جانب شركة إنفيديا الأميركية المتخصصة في الرقائق والبنية الحوسبية.
بدأ المشروع بخطة لإنشاء حرم حوسبة في منطقة باريس بقدرة مستهدفة تقارب 1.4 غيغاواط. غير أن نطاقه توسع لاحقًا نحو شبكة وطنية قد تصل قدرتها إلى 3 غيغاواط من البنية التحتية المخصصة للذكاء الاصطناعي.
وتعتزم إم جي إكس و«بي بي آي فرانس» تخصيص نحو 7.5 مليار يورو لدعم هذا التوسع.
وخلال الإعلان المرتبط بقمة «اختر فرنسا»، قال ممثل إم جي إكس إن الشركة تضاعف استثمارها بعد التقدم الذي شهدته خلال العامين الماضيين.
واستخدم تعبير «سرعة نوتردام» لوصف وتيرة التنفيذ، في إشارة إلى إعادة بناء كاتدرائية نوتردام بعد الحريق الذي تعرضت له عام 2019.
ولا يقتصر هذا التعبير على البعد الرمزي.
فهو يلامس واحدة من أبرز مشكلات تطوير البنية التحتية في أوروبا: القدرة على التنفيذ.
تمتلك الأسواق الأوروبية رؤوس الأموال والخبرات العلمية والطلب على قدرات الحوسبة، لكن مشروعات مراكز البيانات الكبرى قد تتعطل بسبب طول إجراءات التراخيص، ومحدودية الاتصال بالشبكات، وتعدد الجهات صاحبة القرار.
ورسالة إم جي إكس هنا واضحة: فرنسا أظهرت قدرة على تسريع التنفيذ عندما يُعامل المشروع باعتباره أولوية استراتيجية.
كما رأى ممثل الشركة أن فرنسا انتقلت من بدايات ثورة الذكاء الاصطناعي إلى موقع «القيادة في أوروبا، وبالتأكيد إلى موقع عالمي متقدم».
وتنسجم هذه الرؤية مع الخطاب الذي يدفع به ماكرون.
ففرنسا لا تريد أن تكون مجرد سوق تبيع فيها الشركات العالمية خدمات الذكاء الاصطناعي، بل موقعًا تُبنى فيه الأنظمة المادية التي تشغّل هذه الخدمات وتمنحها القدرة على التوسع.
من أكثر أجزاء خطاب إم جي إكس دلالة الربط المباشر بين الطاقة والذكاء الاصطناعي.
فقد وصف ممثل الشركة نشاطها بأنه يقوم، عمليًا، على تحويل الإلكترونات إلى توكنات ووكلاء رقميين قادرين على تنفيذ مهام للاقتصادين الفرنسي والأوروبي.
خلف هذا التعبير توجد حقيقة صناعية مباشرة: الذكاء الاصطناعي يبدأ من الكهرباء.
كلما ازداد حجم النماذج واتسع استخدامها، ارتفع الطلب على منشآت قادرة على تشغيل أعداد كبيرة من المعالجات المتقدمة. وهذه المنشآت تحتاج إلى طاقة مستقرة وكثيفة، وهو ما لا تستطيع جميع الأسواق الأوروبية توفيره بسهولة.
ومن هنا تقدّم فرنسا أسطولها النووي باعتباره ميزة تنافسية في سباق الذكاء الاصطناعي.
وتوفر إم جي إكس حجم رأس المال والقدرة الاستثمارية اللازمة لتطوير مشروعات حوسبة كبرى حول هذه القاعدة الطاقية.
أما فينيكس، فتدخل إلى الفرصة نفسها من زاوية مختلفة.
تتعاون فينيكس غروب مع شركة تطوير مراكز البيانات الفرنسية «دي سي ماكس» لإنشاء منشأة بقدرة 18 ميغاواط قرب مدينة ليون، مخصصة لأحمال الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء.
وتقول الشركة الإماراتية المدرجة في سوق أبوظبي للأوراق المالية إن المشروع حصل على الأرض والتراخيص والاتصال بشبكة الكهرباء والوصول إلى الطاقة.
ومن المتوقع أن تبدأ أعمال الإنشاء في يوليو 2026، على أن يدخل المشروع مرحلة التسليم بين الربع الأخير من 2027 والربع الأول من 2028.
ورغم أن قدرة المشروع الأولية تبقى أصغر بكثير من طموح «كامبس إيه آي»، فإن فينيكس لا تقدمه بوصفه استثمارًا منفردًا.
فالمنشأة تمثل أول تطبيق لمنصة أوروبية قابلة للتوسع في مجال الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء.
وقال مناف علي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة فينيكس، في تصريح خاص لـ«أنلوك بلوكتشين»: تمثل فرنسا كل ما نبحث عنه عند تطوير بنية تحتية رقمية من الجيل الجديد وعلى نطاق واسع؛ من الوصول إلى الطاقة، إلى شبكة كهرباء مرنة، وأراضٍ مؤمّنة، وتراخيص جاهزة، وبيئة داعمة تتيح تسريع التطوير».
وأضاف: «تمثل ليون نقطة الدخول الاستراتيجية لفينيكس غروب إلى أوروبا، لكن طموحنا يتجاوز موقعًا واحدًا. نحن نستهدف أكثر من 500 ميغاواط من قدرات الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء ضمن منصتنا الأوروبية، على أن نتوسع إلى أكثر من غيغاواط واحد عبر فرنسا وأوروبا ومنطقة الخليج».
وتابع: «ما نبنيه هنا ليس مركز بيانات واحدًا، بل أساسًا لحضور واسع النطاق في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي عبر القارة. هذا هو النوع من البنية التحتية الذي يتطلبه العصر التكنولوجي المقبل».
وتضع تصريحات علي مشروع ليون ضمن استراتيجية أوسع، لا ضمن استثمار عقاري أو تقني منفصل.
ففرنسا تمنح فينيكس نقطة دخول إلى سوق أوروبية يتزايد فيها الطلب على قدرات الحوسبة، في وقت تبقى فيه المواقع الجاهزة والمدعومة بالطاقة محدودة.
كما يمنح المشروع الشركة فرصة لنقل جزء من خبرتها في تعدين بيتكوين إلى سوق أوسع للبنية التحتية الرقمية.
طورت فينيكس جانبًا مهمًا من خبرتها التشغيلية من خلال تعدين بيتكوين، وهو قطاع يعتمد بصورة مباشرة على تأمين الكهرباء، وإدارة تكاليف الطاقة، وتبريد المعدات، وتشغيل بنية حوسبية عالية الكثافة.
وتبدو بعض هذه القدرات ذات صلة متزايدة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء.
لكن الانتقال ليس تلقائيًا.
فمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الموجهة للمؤسسات تحتاج إلى تجهيزات مختلفة، وبنية شبكات أكثر تعقيدًا، ومستويات أعلى من الاعتمادية، وعلاقات تجارية لا تتطابق مع نموذج منشآت التعدين التقليدية.
لذلك، يجب النظر إلى توسع فينيكس في فرنسا باعتباره تحولًا في نموذج الشركة، لا مجرد إعادة تسمية لأصول أو عمليات قائمة.
ويمثل مشروع ليون أول انتشار أوروبي للشركة في مجال مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، فيما تقول فينيكس إن منصتها الأوسع قد تتجاوز غيغاواط واحدًا عبر أوروبا ومنطقة الخليج.
كما ربطت الشركة خطتها بفرصة استثمارية تقدر بنحو 8 مليارات دولار.
ويعكس توسع فينيكس اتجاهًا أوسع في السوق، حيث تحاول الشركات التي تمتلك خبرة في تأمين الطاقة وتشغيل منشآت الحوسبة الكثيفة الاستفادة من موجة الطلب المتزايد على قدرات الذكاء الاصطناعي.
تتحرك إم جي إكس وفينيكس في مستويين مختلفين ضمن سلسلة قيمة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
توفر إم جي إكس رأس المال الاستثماري واسع النطاق، وتشارك في بناء منظومة تجمع بين قدرات الحوسبة والرقائق وشركات الذكاء الاصطناعي الفرنسية.
أما فينيكس، فتركز بصورة أكثر مباشرة على طبقة التنفيذ المادية: الأرض والطاقة والتراخيص والتشغيل ومراكز البيانات.
وتكشف استثمارات الشركتين عن تقاطع متزايد بين السياسة الصناعية الفرنسية وطموحات الإمارات الدولية في الذكاء الاصطناعي.
فالإمارات لم تعد تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره قطاعًا من التطبيقات أو الاستثمارات المالية فقط.
شركاتها ومنصاتها الاستثمارية تتجه بصورة متزايدة إلى مراكز البيانات، والطاقة، والبنية الحوسبية، والطبقات المادية التي سيعتمد عليها الاقتصاد الرقمي خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، توفر فرنسا لهذه الشركات الوصول إلى السوق الأوروبية، وكهرباء نووية واسعة النطاق، وقاعدة صناعية، ودعمًا سياسيًا للمشروعات ذات الطابع الاستراتيجي.
العلاقة، بهذا المعنى، تقوم على تكامل المصالح.
فرنسا تحتاج إلى رأس مال دولي ومطورين يمتلكون خبرة تشغيلية لتسريع توسعها في الذكاء الاصطناعي. أما الشركات الإماراتية، فتبحث عن أسواق تتيح لها بناء مواقع طويلة الأجل داخل البنية التحتية للاقتصاد العالمي الجديد.
ومن هنا تكتسب إشادة ماكرون بإم جي إكس وفينيكس دلالتها السياسية.
غالبًا ما توصف استراتيجية فرنسا في الذكاء الاصطناعي من خلال مفهوم السيادة التكنولوجية.
لكن هذا لا يعني أن باريس تبني منظومة مستقلة بالكامل عن الولايات المتحدة.
فإنفيديا حاضرة ضمن منظومة «كامبس إيه آي»، بينما تواصل الشركات الأميركية السيطرة على أجزاء رئيسية من تصميم الرقائق المتقدمة، والحوسبة السحابية، وبرمجيات الذكاء الاصطناعي.
وبالتالي، لا تعمل فرنسا على إخراج التكنولوجيا الأميركية من سوقها.
هدفها الأكثر واقعية هو تقليص اعتماد أوروبا الكامل على بنية تحتية مملوكة ومستضافة وخاضعة للقرار خارج القارة.
ومن خلال بناء مزيد من قدرات الحوسبة محليًا، تستطيع فرنسا الاحتفاظ بقدر أكبر من السيطرة على الطاقة، ومراكز البيانات، وحوكمة المعلومات، والقيمة الاقتصادية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي.
هذه سيادة عبر البنية التحتية، لا انعزال تكنولوجي.
تؤدي ميسترال إيه آي دورًا داعمًا بوصفها شركة فرنسية داخل المنظومة، لكن القصة الأوسع تتعلق بالبنية التي تُبنى حول طموحات فرنسا.
إم جي إكس توفر رأس مال إماراتيًا بحجم قادر على دعم مشروعات وطنية كبرى. وفينيكس تقدم خبرة في تأمين الطاقة وتطوير وتشغيل منشآت الحوسبة الكثيفة.
وبذلك، تضع إم جي إكس وفينيكس رأس المال والخبرة التشغيلية الإماراتية خلف محاولة فرنسا قيادة توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في أوروبا.
ويبقى السؤال: هل تمنح هذه القدرات أوروبا سيطرة حقيقية على مستقبلها في الذكاء الاصطناعي، أم تتحول فرنسا إلى موقع أوروبي لاستضافة منظومة تكنولوجية ما زالت مفاتيحها الأساسية تُصنع في مكان آخر؟
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
اختيارات المحرر

العملات الرقمية تكبر... ونهاية عصر الضجيج
وليد أبو زكي
٧ يونيو ٢٠٢٦
5 دقيقة

عقوبات بريطانية على HTX تعيد طرح تحقيق UNLOCK Blockchain حول مخاطر الامتثال
انا ماريا قشوع
٢ يونيو ٢٠٢٦
5 دقيقة

تثبيت الفيدرالي للفائدة يعمّق دورة التبني المؤسسي للبيتكوين ويختبر الزخم
سلمى نويهض
٣٠ أبريل ٢٠٢٦
4 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

MetaMask تستعد لإطلاق “Agent Wallet” لمنح وكلاء الذكاء الاصطناعي وصولًا مباشرًا إلى البلوكتشين
مكتب التحرير
٨ يونيو ٢٠٢٦
3 د

إنتيغرا و سيتلمينت تتعاونان لبناء بنية تحتية لترميز العقارات بين الإمارات والولايات المتحدة
مكتب التحرير
٥ يونيو ٢٠٢٦
4 د

أكبر ثلاثة بنوك في اليابان تتجه لإطلاق عملة مستقرة بحلول مارس 2027
مكتب التحرير
١٠ يونيو ٢٠٢٦
3 د

الاتحاد الأوروبي يوسّع العقوبات على منصات العملات الرقمية المرتبطة بروسيا
مكتب التحرير
١٠ يونيو ٢٠٢٦
3 د



