عملات مستقرة ومدفوعات
مشاركة
جي بي مورغان يدرس إطلاق عملة مستقرة عامة منفصلة عن JPM Coin، فيما تتحرك 39 جمعية مصرفية أمريكية لتأسيس BankChain Alliance بأصول 21.8 تريليون دولار، في ظل إطار تنظيمي جديد أرساه قانون جينيوس.
ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن بنك "جي بي مورغان - JP Morgan" يدرس إصدار عملة مستقرة عامة منفصلة عن رمز الإيداع الحالي"جي بي أم كوين - JPM Coin"، في وقت شكّلت فيه 39 جمعية مصرفية على مستوى الولايات تحالف BankChain Alliance لتطوير شبكة بلوكتشين مصرفية مشتركة تستهدف إطلاقها في عام 2027.
ويأتي هذا التحول في وقت أسهم فيه قانون جينيوس في توفير إطار قانوني اتحادي للعملات المستقرة، ما يفتح الباب أمام البنوك التقليدية لدخول سوق كانت تهيمن عليه شركات متخصصة مثل تيذر وسيركل.
وبذلك، لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كان القطاع المصرفي التقليدي سيدخل سوق العملات المستقرة، بل كيف سيعيد دخول البنوك الكبرى تشكيل المنافسة، خصوصًا في ظل امتلاكها ميزانيات وقواعد عملاء وبنية تحتية تفوق بكثير ما لدى مُصدري العملات المستقرة التقليديين.
المفارقة أن البنك الذي كان من أبرز المنتقدين للعملات الرقمية، وسبق لرئيسه التنفيذي جيمي ديمون أن انتقد البيتكوين، يدرس الآن إصدار نوع من الدولار الرقمي الذي أثار مخاوف مصرفية لسنوات.
ويمتلك جي بي مورغان بالفعل حضورًا متقدمًا في البنية التحتية المالية القائمة على البلوكتشين من خلال منصة Kinexys، كما يستخدم JPM Coin كوديعة مصرفية ممثلة رقميًا. إلا أن العملة المستقرة العامة ستختلف عن هذا النموذج من حيث طبيعة الاستخدام وإمكانية الوصول إليها.
وبحسب تقرير وول ستريت جورنال المنشور في 26 أغسطس 2026، يدرس البنك خياراته في ضوء طلب العملاء وتطور البيئة التنظيمية. وفي المقابل، أكد متحدث باسم جي بي مورغان أنه لا توجد حاليًا خطة لإصدار عملة مستقرة، ما يعني أن المشروع لا يزال في مرحلة الدراسة.
ولا يقتصر هذا التحول على جي بي مورغان. فبحسب وول ستريت جورنال، تعمل أكثر من 12 مؤسسة مصرفية عالمية على مشروع لعملة مستقرة متعددة العملات، تبدأ بالدولار، في إشارة إلى تنامي اهتمام البنوك باستخدام العملات المستقرة كأداة للدفع والتسوية.
وفي الوقت نفسه، تتحرك البنوك الأصغر عبر مبادرات جماعية. فقد أعلنت 39 جمعية مصرفية على مستوى الولايات في 25 أغسطس تشكيل BankChain Alliance، بهدف إنشاء شبكة بلوكتشين مملوكة ومدارة من القطاع المصرفي، تدعم الودائع الممثلة رقميًا والعملات المستقرة والمدفوعات الذكية والتسوية الآلية.
ويمثل التحالف 3283 بنكًا، بإجمالي أصول يبلغ نحو 21.8 تريليون دولار، ويستهدف إطلاق الشبكة في عام 2027، رغم عدم اختيار شريك تقني حتى الآن.
لا يهدف BankChain Alliance إلى إصدار عملة مستقرة بحد ذاته، بل إلى بناء البنية التحتية التي تتيح للبنوك تقديم خدمات مالية رقمية جديدة.
ويخطط التحالف لإنشاء شبكة بلوكتشين وطنية تعمل على مدار الساعة، يمكن للمؤسسات المصرفية استخدامها للودائع الممثلة رقميًا، والعملات المستقرة، والمدفوعات القابلة للبرمجة، والتسوية الآلية.
ومن خلال ملكية البنوك للشبكة وإدارتها، يسعى التحالف إلى منح المؤسسات المشاركة قدرة أكبر على التحكم في قواعد الوصول والأمن والتحديثات، بدل الاعتماد على شبكات خارجية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تتيح للبنوك المجتمعية والمتوسطة الحجم الدخول إلى اقتصاد الدولار الرقمي من دون تحمل تكلفة بناء بنية تحتية منفردة.
لم يكن هذا التحول مفاجئًا بالكامل، إذ أدى النمو السريع في استخدام العملات المستقرة إلى تغيير نظرة القطاع المصرفي إليها.
فبالنسبة إلى البنوك، تمثل العملات المستقرة في الوقت نفسه فرصة وتهديدًا. فمن جهة، يمكنها تسريع المدفوعات والتسوية وفتح أسواق جديدة. ومن جهة أخرى، قد يؤدي انتقال الأموال من الودائع المصرفية التقليدية إلى العملات المستقرة إلى تقليص قاعدة الودائع التي تعتمد عليها البنوك في تمويل الإقراض.
ومن هنا، يبدو أن البنوك تحاول تطوير بدائلها الخاصة قبل أن تصبح العملات المستقرة الصادرة عن شركات مالية وتقنية خارج النظام المصرفي هي القناة الرئيسية للدولار الرقمي.
ويُعد قانون جينيوس أحد أبرز المحركات وراء هذا التحول. فقد وقّعه الرئيس دونالد ترامب في 18 يوليو 2025، ليضع أول إطار اتحادي شامل لتنظيم العملات المستقرة المخصصة للدفع في الولايات المتحدة.
وبموجب القانون، أصبحت العملات المستقرة المخصصة للدفع نشاطًا خاضعًا لنظام ترخيص وتنظيم واضح، بدل بقائها ضمن مساحة تنظيمية غير محسومة.
ويفرض القانون على مُصدري العملات المستقرة الاحتفاظ باحتياطيات مؤهلة بقيمة لا تقل عن دولار واحد مقابل كل دولار من العملات المستقرة المتداولة، مع تحديد أنواع الأصول التي يمكن استخدامها لدعم هذه الاحتياطيات.
كما يتضمن القانون متطلبات تتعلق بالإفصاح عن الاحتياطيات والامتثال التنظيمي، ويمنع مُصدري العملات المستقرة من دفع فوائد مباشرة إلى حاملي الرموز.
أنشأ القانون إطارًا رقابيًا اتحاديًا ومحليًا لمُصدري العملات المستقرة، مع توزيع الصلاحيات بين الجهات التنظيمية بحسب طبيعة المُصدر وحجمه.
ويلعب مكتب مراقب العملة (OCC) دورًا رئيسيًا في الإشراف على الجهات الخاضعة لاختصاصه، بينما تشارك جهات أخرى، بينها شبكة إنفاذ قوانين الجرائم المالية (FinCEN) ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، في جوانب مكافحة غسل الأموال والامتثال للعقوبات.
وفي فبراير 2026، نشر OCC قواعد مقترحة لتنفيذ قانون GENIUS، شملت متطلبات الاحتياطيات والاسترداد وإدارة المخاطر والتدقيق والإبلاغ والإشراف والحفظ.
لكن الإطار التنفيذي لم يكن قد اكتمل بحلول الموعد النهائي المحدد في 18 يوليو 2026، إذ بقيت عدة لوائح في مرحلة المقترحات. ومع ذلك، لا يعني تأخر اللوائح النهائية إلغاء موعد نفاذ القانون؛ إذ ينص القانون على أن تاريخ النفاذ هو الأقرب بين مرور 18 شهرًا على صدوره أو مرور 120 يومًا على صدور اللوائح النهائية من الجهات الاتحادية الرئيسية.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين نموذج JPM Coin والعملات المستقرة العامة.
فالوديعة الممثلة رقميًا تبقى وديعة مصرفية، وتظل ضمن ميزانية البنك، بينما تُستخدم تقنية البلوكتشين لتمثيلها ونقلها رقميًا. أما العملة المستقرة العامة، فهي رمز رقمي يمكن لحامله امتلاكه ونقله دون أن يكون بالضرورة عميلًا لدى البنك المُصدر.
ويحمل هذا الاختلاف أهمية كبيرة بالنسبة إلى البنوك. فالودائع الممثلة رقميًا تحافظ على العلاقة المصرفية التقليدية، بما فيها قاعدة الودائع وعلاقة البنك بالعميل.
أما العملات المستقرة، فتقدم نموذجًا مختلفًا، إذ تمثل رقميًا قيمة نقدية مدعومة باحتياطيات، من دون أن تكون في حد ذاتها وديعة مصرفية تقليدية.
ولهذا السبب، تميل البنوك إلى تفضيل الودائع الممثلة رقميًا، بينما ترى شركات الأصول الرقمية في العملات المستقرة وسيلة أكثر انفتاحًا وقابلية للنقل عبر مختلف الشبكات والمنصات.
وفي هذا السياق، تعمل مجموعة من أكبر البنوك الأميركية على تطوير بنية تحتية مشتركة للودائع الممثلة رقميًا من خلال The Clearing House.
وتستهدف المبادرة تمكين عملاء الشركات من نقل الودائع الممثلة رقميًا على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع، بما يقلل الحاجة إلى انتظار دورات التسوية التقليدية.
ويمثل هذا النموذج محاولة واضحة من القطاع المصرفي لتحديث نظام الودائع بدل استبداله. فإذا تمكنت البنوك من جعل الودائع قابلة للبرمجة والنقل على مدار الساعة، فقد تتمكن من تقديم العديد من المزايا التي جذبت المستخدمين إلى العملات المستقرة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على العلاقة المصرفية التقليدية.
تكمن المشكلة الأساسية في أن كل دولار ينتقل من النظام المصرفي التقليدي إلى منظومة العملات المستقرة يمكن أن يمثل دولارًا أقل ضمن قاعدة ودائع البنك.
وهذا مهم لأن الودائع تشكل مصدرًا رئيسيًا لتمويل الإقراض المصرفي. لذلك، فإن توسع العملات المستقرة على حساب الودائع قد يفرض على البنوك إعادة التفكير في نماذج التمويل والسيولة الخاصة بها.
ولهذا السبب تحديدًا، يبدو دخول البنوك إلى سوق العملات المستقرة دفاعيًا بقدر ما هو توسع في الخدمات الرقمية. فالبنوك لا تريد أن تخسر دورها كوسيط رئيسي في حركة الدولار مع انتقال المدفوعات إلى شبكات رقمية جديدة.
أما البنوك المجتمعية، فتواجه المشكلة بطريقة مختلفة. فهي لا تمتلك الميزانيات التقنية الضخمة التي تتمتع بها أكبر المؤسسات المالية، ما يجعل بناء بنية تحتية خاصة لكل بنك أمرًا مكلفًا وغير عملي.
ومن هنا تأتي أهمية BankChain Alliance. فبدل أن يطور كل بنك شبكته الخاصة، يتيح التحالف بناء بنية مشتركة يمكن لمئات أو آلاف المؤسسات استخدامها.
وتمنح هذه الاستراتيجية البنوك الصغيرة فرصة للمشاركة في اقتصاد الدولار الرقمي من دون التخلي عن دورها المحلي في الإقراض والخدمات المصرفية.
وقد أوضح التحالف أن هدفه هو تمكين المؤسسات المالية من تقديم خدمات مصرفية حديثة، مع الحفاظ على المعايير التنظيمية والأمن والثقة المرتبطة بالنظام المصرفي التقليدي.
ولا تقتصر المنافسة على العملات المستقرة والودائع الممثلة رقميًا. فشركات المدفوعات الكبرى مثل Mastercard وVisa تعمل أيضًا على دمج العملات المستقرة في البنية التحتية للتسوية والمدفوعات.
وبذلك، يجري بناء طبقة البنية التحتية للدولار الرقمي في وقت واحد من قبل البنوك وشركات المدفوعات وشركات الأصول الرقمية، إذ يسعى كل طرف إلى ترسيخ نموذجه كمعيار للسوق المستقبلية.
وهذا يعني أن المنافسة المقبلة لن تكون فقط بين بنك وشركة عملات رقمية، بل بين نماذج مختلفة لكيفية تمثيل الدولار ونقله وتسويته في الاقتصاد الرقمي.
إلى ذلك، الأهم في تحرك جي بي مورغان والبنوك الأخرى ليس مجرد احتمال إصدار عملة مستقرة جديدة، بل التحول في موقف القطاع المصرفي من الفكرة نفسها. فالبنوك التي كانت ترى العملات المستقرة تهديدًا لقاعدة الودائع بدأت تتعامل معها باعتبارها بنية تحتية محتملة للمدفوعات لا يمكن تجاهلها.
لكن دخول البنوك لا يعني بالضرورة نهاية هيمنة شركات مثل تيذر وسيركل فهذه الشركات تمتلك بالفعل سيولة ضخمة، وقواعد مستخدمين واسعة، وحضورًا قويًا عبر شبكات متعددة. وفي المقابل، تتمتع البنوك بميزة مختلفة تمامًا: الثقة التنظيمية، وقواعد العملاء، والميزانيات الضخمة، والبنية التحتية المالية القائمة.
وعليه، إنّ المعركة المقبلة ستدور حول من يسيطر على طبقة التسوية الرقمية للدولار أكثر من كونها مجرد منافسة على إصدار عملة مستقرة جديدة. وإذا نجحت البنوك في تحويل الودائع إلى أصول ممثلة رقميًا وقابلة للبرمجة والنقل على مدار الساعة، فقد تتمكن من تقديم بديل قوي للعملات المستقرة من دون التخلي عن نموذجها المصرفي التقليدي.
أما إذا أثبتت العملات المستقرة العامة أنها أكثر كفاءة وقابلية للتوسع والاستخدام عبر المنصات والشبكات المختلفة، فقد تضطر البنوك في النهاية إلى تبنيها بدل الاكتفاء بمنافستها. وفي هذه الحالة، سيكون قانون جينيوس نقطة البداية لمنافسة أكبر على مستقبل الدولار الرقمي، وليس نهايتها.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
اختيارات المحرر

لماذا يصعب أن يتكرر انهيار زونداكريبتو بالوتيرة نفسها في الإمارات؟
وليد أبو زكي
٢٨ أغسطس ٢٠٢٦
8 دقيقة

طبقة التنسيق المفقودة في توسع الأصول الرقمية المؤسسية
جوليان سوير
١٨ أغسطس ٢٠٢٦
5 دقيقة

ما وراء الوصول إلى الأصول الرقمية: كيف تبني ARP Digital بنية رأس المال الرقمي في الإمارات؟
انا ماريا قشوع
١٧ أغسطس ٢٠٢٦
8 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

ريفولوت تدخل سوق العملات المستقرة بإطلاق EURR المقومة باليورو
مكتب التحرير
٢٧ أغسطس ٢٠٢٦
4 د

"بيتكوين دوت كوم" و"يونيفيرسال" تطلقان شراكة لإضافة عملة USDU المستقرة إلى المحفظة
مكتب التحرير
١٩ أغسطس ٢٠٢٦
3 د

بنك زاند الإماراتي يوسّع انتشار العملات المستقرة عالميًا عبر دمج USDC
مكتب التحرير
٢٥ أغسطس ٢٠٢٦
5 د

FASB يقترح إطارًا محاسبيًا لتصنيف العملات المستقرة كـ«معادلات نقدية»
مكتب التحرير
١٩ أغسطس ٢٠٢٦
2 د



