السياسات والقطاع
مشاركة
يتمسك بنك الاحتياطي الهندي بقيود صارمة على الأصول الرقمية، فيما تركز السلطات الضريبية على تحديات الرقابة، ما يعكس انقسامًا يؤخر الإطار التنظيمي.
تكشف أحدث المناقشات الداخلية في الهند حول سياسات الأصول الرقمية عن أكثر من مجرد دعوات لتشديد القيود، إذ تُسلّط الضوء على واقع متنامٍ تواجهه الحكومات حول العالم، يتمثل في أن تنظيم الأصول الرقمية يتطلب موازنة أولويات متعارضة بين الجهات التنظيمية المختلفة.
ووفقًا لوثائق حكومية اطلعت عليها وكالة رويترز، جدّد بنك الاحتياطي الهندي (RBI) تأكيد تفضيله لسياسة تجاه العملات الرقمية "تميل إلى الحظر"، داعيًا إلى منع البنوك والمؤسسات المالية من حيازة العملات الرقمية أو التعرض لها، بما في ذلك العملات المستقرة الصادرة عن جهات خاصة.
في المقابل، أبدت سلطات الضرائب الهندية مخاوف مختلفة، إذ حذّرت من أن مراقبة المعاملات المنفذة عبر منصات التداول الخارجية والمحافظ الخاصة أصبحت أكثر صعوبة، ما يعقّد تحصيل الضرائب وتحديد المالكين المستفيدين.
وتُظهر هذه المواقف المتباينة أن النقاش في الهند لم يعد يقتصر على السماح بالأصول الرقمية أو حظرها، بل أصبح يعكس تحديًا مؤسسيًا أوسع يتمثل في تحديد الجهة الحكومية التي ينبغي أن تقود الإشراف على هذا القطاع، وكيفية تحقيق التوازن بين الابتكار والاستقرار المالي والضرائب وحماية المستهلك.
لا تزال الهند تعيش حالة من عدم اليقين التنظيمي منذ أن ألغت المحكمة العليا عام 2020 الحظر المصرفي الفعلي الذي فرضه بنك الاحتياطي الهندي على العملات الرقمية. ورغم أن الحكومة درست مرارًا تشريعات لتنظيم الأصول الرقمية، فإنها لم تعتمد حتى الآن إطارًا تنظيميًا شاملًا.
ونتيجة لذلك، لا تزال الأصول الرقمية تعمل ضمن منطقة تنظيمية رمادية. فالهند تفرض ضريبة بنسبة 30% على أرباح العملات الرقمية، وتُلزم منصات التداول المحلية بالتسجيل لدى السلطات المختصة، لكنها لم تضع بعد إطارًا قانونيًا واضحًا للإشراف على هذا القطاع.
وتشير الوثائق الحكومية إلى أن الجهات الرسمية لا تزال تنظر إلى الأصول الرقمية من زوايا تنظيمية مختلفة. فبينما يعتبر بنك الاحتياطي الهندي العملات الرقمية تهديدًا للاستقرار المالي، ويحذر من أن العملات المستقرة الصادرة عن القطاع الخاص قد تُقوض السيادة النقدية وتزيد مخاطر انتقال العدوى إلى النظام المصرفي خلال اضطرابات الأسواق، تركز السلطات الضريبية على تحديات الامتثال والرقابة.
ووفقًا للوثائق، فإن أقل من ربع أصل 645 ألف شخص أجروا معاملات بالعملات الرقمية خلال السنة المالية المنتهية في مارس 2023 أفصحوا عن هذه الأنشطة في إقراراتهم الضريبية. كما حذر المسؤولون من أن منصات التداول الخارجية، والمعاملات المباشرة بين الأفراد، والمحافظ الخاصة تعقّد عمليات التحصيل الضريبي والإنفاذ.
وفي موازاة ذلك، تدرس وزارة شؤون الشركات الهندية معايير المحاسبة الخاصة بالأصول الرقمية الافتراضية، ما يضيف بُعدًا آخر إلى المناقشات الحكومية الجارية.
لا تقتصر تعدد الجهات المشرفة على الأصول الرقمية على الهند، بل تُعد ظاهرة متكررة في العديد من الاقتصادات الكبرى.
ففي الولايات المتحدة، توزعت مسؤولية الإشراف على الأصول الرقمية بين هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، وهيئة تداول السلع الآجلة، ووزارة الخزانة، والجهات التنظيمية المصرفية. ورغم الجهود التشريعية الأخيرة لتوفير مزيد من الوضوح، لا تزال مسألة الاختصاص التنظيمي تؤثر في تطور الإطار القانوني للأصول الرقمية.
وفي المقابل، اعتمد الاتحاد الأوروبي نهجًا مختلفًا عبر لائحة أسواق الأصول الرقمية (MiCA)، التي أرست إطارًا تنظيميًا موحدًا للحد من التفاوت بين الدول الأعضاء.
أما الإمارات، فقد أنشأت أطرًا تنظيمية متخصصة، أبرزها هيئة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي (VARA) وهيئة تنظيم الخدمات المالية في سوق أبوظبي العالمي (FSRA)، لتوفير إشراف متخصص على أنشطة الأصول الرقمية مع دعم الابتكار ضمن إطار تنظيمي واضح.
وفي هذا السياق، يُبرز النقاش الدائر في الهند مدى تعقيد إدارة الأصول الرقمية عبر مؤسسات لم تُصمم أساسًا للتعامل مع الأنظمة المالية القائمة على تقنية بلوكتشين.
يؤكد موقف بنك الاحتياطي الهندي الأخير الأهمية المتزايدة للعملات المستقرة في النقاشات التنظيمية.
فقد حذر البنك من أن العملات المستقرة المدعومة بعملات أجنبية قد تُضعف السيادة النقدية، في حين قد تؤثر العملات المستقرة المدعومة بالروبية في عائدات إصدار العملة، فضلًا عن احتمال تسببها بمخاطر على الاستقرار المالي خلال فترات اضطراب الأسواق.
وتعكس هذه المخاوف النقاشات العالمية الجارية حول تنظيم العملات المستقرة. ففي حين أقرت الولايات المتحدة مؤخرًا تشريعات خاصة بها، وأدرج الاتحاد الأوروبي أحكامًا مخصصة ضمن لائحة MiCA، لا تزال العديد من الأسواق الناشئة تتعامل بحذر مع العملات المستقرة الصادرة عن القطاع الخاص، والتي قد تنافس العملات الوطنية.
تُظهر المناقشات الداخلية في الهند أن تنظيم الأصول الرقمية تجاوز مرحلة الاختيار بين الحظر أو السماح، ليصبح نقاشًا أوسع حول الحوكمة المؤسسية.
ومع ازدياد اندماج الأصول الرقمية في الأسواق المالية العالمية، تواجه الحكومات أسئلة أكثر تعقيدًا، من بينها: من هي الجهة الأنسب للإشراف على هذا القطاع؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين السياسة النقدية والضرائب والابتكار المالي؟ وهل تستطيع الهياكل التنظيمية الحالية مواكبة الخدمات المالية القائمة على تقنية بلوكتشين؟
ولا تزال هذه الأسئلة دون إجابات حاسمة في الهند، لكنها تعكس أيضًا تحديًا عالميًا. فمع توسع استخدام العملات المستقرة، وتزايد توكنة الأصول، وارتفاع مشاركة المؤسسات المالية التقليدية، سيعتمد مستقبل تنظيم الأصول الرقمية بدرجة أكبر على قدرة الحكومات على تنسيق أدوار الجهات الرقابية ضمن إطار تنظيمي متماسك، يوازن بين الابتكار والمخاطر النظامية.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
اختيارات المحرر

أسواق التوقعات أمام اختبار التنظيم: هل هي ابتكار مالي أم مراهنة باسم جديد؟
وليد أبو زكي
٥ يوليو ٢٠٢٦
8 دقيقة

استشارة مجموعة العمل المالي حول R.16 : ماذا تعني لمدفوعات العملات المستقرة؟
وليد أبو زكي
٢٥ يونيو ٢٠٢٦
7 دقيقة

إنفينيام تستحوذ على مانترا بعد رهان بـ20 مليون دولار عقب الأزمة
وليد أبو زكي
١٧ يونيو ٢٠٢٦
8 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

شركات العملات الرقمية تنفق 189 مليون دولار للتأثير في انتخابات أميركا 2026
مكتب التحرير
١ يوليو ٢٠٢٦
4 د

"كوين بيس" تعزز توجهها نحو "المنصة الشاملة" بعد الحصول على ترخيص بريطاني جديد
مكتب التحرير
٨ يوليو ٢٠٢٦
5 د

كراكن تسعى للحصول على ترخيص مصرفي أوروبي بعد توسعها في الإمارات
سلمى نويهض
٨ يوليو ٢٠٢٦
4 د

بولي ماركت تواجه دعوى بعد تعديل قواعد سوق تنبؤات حول بيع بيتكوين ستراتيجي
مكتب التحرير
٧ يوليو ٢٠٢٦
3 د



