تشريعات وسياسات
مشاركة

وأ
الرئيس التنفيذي & رئيس التحرير
يبدو أن بيئة تنظيم العملات المستقرة بدأت تتشكل بشكل أوضح في عدد متزايد من الأسواق، وجورجيا تبدو اليوم من بين الدول التي تتحرك في هذا الاتجاه. فقد أعلن البنك الوطني الجورجي في 10 مارس أنه وضع تنظيمًا خاصًا بالطرح الأولي للأصول الافتراضية المستقرة من قبل مزود خدمات الأصول الافتراضية، في خطوة تشير إلى انتقال النقاش من التنظيم العام للأصول الرقمية إلى إطار أكثر تحديدًا يركز على العملات المستقرة نفسها.
أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في مضمونها المحلي، بل أيضًا في توقيتها. فمع تزايد حضور العملات المستقرة في مجالات المدفوعات والتسوية والبنية المالية الرقمية، بدأت الجهات التنظيمية حول العالم في الانتقال من الإشراف العام على أنشطة الكريبتو إلى وضع قواعد أكثر تخصصًا تتناول الإصدار والاحتياطيات والاسترداد والإفصاح وإدارة المخاطر. وفي هذا السياق، يبدو أن جورجيا تستعد بدورها لدخول هذه المرحلة الجديدة.

نائبة محافظ البنك الوطني الجورجي، نينو جيلايدزه، قدمت هذا التوجه بوصفه جزءًا من تعزيز الإطار التنظيمي للأصول الافتراضية في البلاد. وقالت إن التنظيم الجديد الذي يحكم الطرح الأولي للأصول الافتراضية المستقرة، أو ما يُشار إليه عادة بالعملات المستقرة، يهدف إلى حماية حقوق المستهلكين، وتحسين معايير إدارة المخاطر في القطاع المالي، والمواءمة مع المعايير الدولية. كما أوضحت أن الأصول الافتراضية المستقرة المتداولة يجب أن تكون مدعومة بالكامل بأصول احتياطية تستوفي متطلبات عالية من حيث السيولة والتصنيف الائتماني، وأن عملية الإصدار يجب أن تبدأ بوثيقة طرح واضحة، مع إخضاع المعلومات الواردة فيها للتحقق من قبل مدققين خارجيين.
وهنا تحديدًا تكمن الزاوية الأهم في الخبر. فالقضية ليست فقط أن جورجيا “تنظم الكريبتو”، بل إن البلاد تبدو بصدد بناء بيئة أكثر وضوحًا للعملات المستقرة داخل منظومة إشراف قائمة أصلًا. وبحسب البنك الوطني الجورجي، فإن التنظيم الجديد لا يقتصر على وضع شروط أولية للطرح، بل يشمل أيضًا الخدمات اللاحقة، وتحديد حقوق والتزامات الأطراف المعنية، وإدخال مفاهيم أساسية مثل الأصول الافتراضية المستقرة، والأصول الاحتياطية، ووثيقة الطرح، وآليات الاسترداد. كما يشترط أن تكون جميع الأصول الافتراضية المستقرة المتداولة مدعومة بنسبة 100% بأصول احتياطية.
وعند ربط هذا التطور بالإطار الأوسع المعمول به في جورجيا، تصبح الصورة أكثر وضوحًا. فالصفحة الرسمية الخاصة بمزودي خدمات الأصول الافتراضية لدى البنك الوطني الجورجي تظهر أن البلاد تمتلك بالفعل هيكلًا تنظيميًا أوسع يغطي طيفًا متنوعًا من الأنشطة، من بينها تحويل الأصول الافتراضية إلى عملات ورقية والعكس، وخدمات التحويل، والحفظ والأمانة، وإدارة المحافظ، وتشغيل منصات التداول، والإقراض، وحتى الطروحات الأولية للأصول الافتراضية القابلة للتحويل. وهذا يعني أن تنظيم العملات المستقرة لا يظهر كخطوة منفصلة أو معزولة، بل يبدو كطبقة أكثر تخصصًا تُضاف إلى محيط رقابي قائم مسبقًا.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
وهذه نقطة مهمة للغاية من الناحية التحريرية. فجورجيا لا تبدأ من الصفر في تنظيم الأصول الرقمية، بل تبني فوق مسار سبق أن بدأ بالفعل. ووفقًا للبنك الوطني الجورجي، فإن هذا التنظيم الجديد يستند إلى تعديلات أُدخلت في 17 ديسمبر 2025 على القانون الأساسي للبنك الوطني، وهي تعديلات منحت البنك صلاحية إشرافية كاملة على مزودي خدمات الأصول الافتراضية، بما في ذلك الرقابة الاحترازية، وحماية حقوق المستهلك، والأمن السيبراني، وإدارة المخاطر التشغيلية. من هذا المنظور، يبدو تنظيم العملات المستقرة امتدادًا طبيعيًا لمسار مؤسسي أوسع، وليس مجرد إعلان تنظيمي منفصل.
ومن بين أكثر العناصر لفتًا في إعلان البنك الوطني الجورجي هو مسألة المقارنة المرجعية مع أطر تنظيمية خارجية. فقد أوضح البنك أنه درس خلال إعداد التنظيم عددًا من النماذج القانونية والتنظيمية في ولايات قضائية مختلفة، من بينها الولايات المتحدة، ونظام MiCA في الاتحاد الأوروبي، وإطار VARA في دبي، والمملكة المتحدة، وسنغافورة. كما أشار إلى الاستفادة من مواد تحليلية وتوصيات صادرة عن صندوق النقد الدولي والمنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية IOSCO، إلى جانب استمرار التعاون الفني مع البنك الدولي ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
وبالنسبة للقراء في المنطقة، فإن الإشارة الصريحة إلى سلطة تنظيم الأصول الإفتراضية في دبي تحمل أهمية خاصة. فقد تحولت سلطة دبي لتنظيم الأصول الافتراضية خلال السنوات الأخيرة إلى أحد النماذج التنظيمية الأكثر حضورًا على مستوى قطاع الأصول الرقمية، لا سيما بالنسبة للأسواق التي تبحث عن إطار منظم وواضح من دون أن يكون بعيدًا عن الواقع التجاري للصناعة. وعندما يضع البنك الوطني الجورجي VARA إلى جانب MiCA والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وسنغافورة، فإنه يبعث بإشارة واضحة إلى أنه لا يسير خلف نموذج واحد فقط، بل يراقب مزيجًا أوسع من المقاربات التنظيمية أثناء صياغة بيئته الخاصة للعملات المستقرة.
أما على مستوى المضمون، فيعكس التنظيم الجورجي توجهًا أكثر نضجًا في التعامل مع هذه الفئة من الأصول. فالبنك الوطني قال إن الإطار الجديد يضع قواعد تتعلق بتكوين الأصول الاحتياطية والنسب المعيارية المرتبطة بها، والفصل بين رأس المال والأصول الاحتياطية، وحق الاسترداد بناءً على طلب الحائز، والشفافية، وإعداد التقارير، وإدارة المخاطر التشغيلية والتكنولوجية، فضلًا عن متطلبات رأس المال. وبهذا، تبدو الأصول الافتراضية المستقرة في جورجيا وكأنها تنتقل إلى فئة تنظيمية أكثر جدية، أقرب إلى البنية المالية المنظمة منها إلى مجرد امتداد جانبي لسوق الكريبتو.
وفي المجمل، تضيف خطوة جورجيا إلى الانطباع المتزايد بأن العملات المستقرة دخلت مرحلة جديدة على مستوى السياسات العامة عالميًا. فالنقاش لم يعد يقتصر على ترخيص المنصات أو تسجيل شركات الكريبتو، بل بات يتوسع نحو سؤال أكثر عمقًا: كيف تبني الدول بيئة قانونية ورقابية متكاملة لإصدار العملات المستقرة نفسها؟ وفي حالة جورجيا، يبدو أن هذا المستوى الجديد من التنظيم بدأ يتشكل بالفعل داخل الإطار الأوسع لمزودي خدمات الأصول الافتراضية.




اختيارات المحرر

العملات المستقرة في الإمارات: لماذا صُمِّمت للحركة وليس للبقاء محلياً؟
وليد أبو زكي
٢٨ فبراير ٢٠٢٦
8 دقيقة

المصرف المركزي الإماراتي يصدر بيانًا لحسم الجدل حول المادة 62
وليد أبو زكي
٢٥ فبراير ٢٠٢٦
5 دقيقة

ليتوانيا تواجه قطاع العملات الرقمية: هل خسرت ليتوانيا الابتكار لصالح الإمارات؟
سلمى نويهض
١٨ فبراير ٢٠٢٦
7 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

كازاخستان تدفع بنمو قطاع العملات الرقمية بتوجيه رئاسي
شانتال عاصي
١٣ مارس ٢٠٢٦
3 د

الرئيس ترامب يحذر: البنوك تحاول إضعاف قانون GENIUS أثناء زيارة "كوين بيس"
مكتب التحرير
٤ مارس ٢٠٢٦
3 د

تركيا تقترح فرض ضريبة بنسبة 10% على أرباح العملات الرقمية
مكتب التحرير
٣ مارس ٢٠٢٦
2 د

حظر العملة الرقمية الصادرة عن البنك المركزي ضمن تشريع جديد في الولايات المتحدة
مكتب التحرير
٣ مارس ٢٠٢٦
2 د