بنية تحتية
مشاركة
خفضت إثيوبيا إمدادات الكهرباء لشركات تعدين البيتكوين إلى 23% من الكميات المتعاقد عليها، إثر تراجع تدفقات المياه إلى الخزانات الكهرومائية بفعل ظاهرة النينيو، مما يكشف هشاشة نموذج التعدين القائم على الطاقة الكهرومائية.
أفادت تقارير بأن إثيوبيا خفضت إمدادات الكهرباء المخصصة لعمليات تعدين البيتكوين إلى نحو 23% من المستويات المتعاقد عليها، بعد تراجع تدفقات المياه إلى خزانات الطاقة الكهرومائية، في تطور يضغط على قطاع أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز عملاء شركة الكهرباء الإثيوبية.
ووفقاً لتقرير نشرته "بلومبرغ" في 15 سبتمبر 2026، أدى تفاقم موسم الجفاف بفعل ظاهرة “النينيو” إلى انخفاض تدفقات المياه إلى خزانات الطاقة الكهرومائية بنحو 20%. ودفع ذلك شركة الكهرباء الإثيوبية (EEP) إلى تقليص الإمدادات الموجهة إلى شركات تعدين البيتكوين، مع إعطاء الأولوية للأسر والقطاع الصناعي.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة، أشبير بالتشا، إن الإمدادات خُفضت تدريجياً من 75% من الكميات المتعاقد عليها إلى 50%، قبل أن تصل حالياً إلى نحو 23%. ومن المقرر أن تعيد الشركة تقييم الوضع في أكتوبر، مع احتمال فرض تخفيضات إضافية، أو تقييد صادرات الكهرباء إلى الدول المجاورة إذا استمرت الضغوط على الموارد المائية.
تسلط هذه الخطوة الضوء على حجم اعتماد عمليات تعدين البيتكوين في إثيوبيا على الطاقة الكهرومائية. فبحسب البيانات التي نقلتها «بلومبرغ»، استهلكت شركات التعدين نحو ثلث إجمالي إنتاج الكهرباء في البلاد البالغ 9,730 ميغاواط، كما ساهمت بنحو 35% من إيرادات شركة الكهرباء الإثيوبية خلال السنة المالية الماضية.
ويعني ذلك أن قطاع التعدين تحول إلى مصدر إيرادات مهم لشركة الكهرباء الحكومية، لكنه أصبح في الوقت نفسه مستهلكاً كبيراً للطاقة في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على توليد الكهرباء من المياه.
وبحسب التقرير، ترتبط شركة الكهرباء الإثيوبية باتفاقيات لشراء الكهرباء مع 39 شركة تعدين بيتكوين، بدأت 31 منها عملياتها بالفعل. وكانت الاتفاقيات تنص على توفير ما لا يقل عن 98% من الكميات المتعاقد عليها، إلا أن تراجع الموارد المائية دفع الشركة إلى خفض الإمدادات بصورة كبيرة.
لم تكن إثيوبيا وجهة رئيسية لتعدين البيتكوين قبل سنوات قليلة. غير أن انخفاض تكلفة الكهرباء، إلى جانب وفرة الطاقة الكهرومائية، جذب شركات تعدين دولية، خصوصاً بعد أن بدأت الحكومة السماح بما تصفه بـ«تعدين البيانات» وعمليات الحوسبة عالية الأداء في عام 2022.
وفي عام 2024، أشارت تقارير إلى أن البلاد أصبحت وجهة متنامية لشركات تعدين البيتكوين، في وقت جذبت فيه أسعار الكهرباء المنخفضة مشغلين يبحثون عن بدائل لمراكز التعدين الأعلى كلفة. كما وقعت الحكومة اتفاقاً مبدئياً لتطوير بنية تحتية لمراكز البيانات وتدريب الذكاء الاصطناعي، في مؤشر على سعي إثيوبيا للاستفادة من مواردها الكهربائية لتطوير قطاع الحوسبة الأوسع.
وكان هذا التوجه مدعوماً أيضاً بالتوسع في قدرات توليد الكهرباء. وفي سبتمبر 2025، افتتحت إثيوبيا رسمياً سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي تبلغ طاقته التوليدية الكاملة 5,150 ميغاواط، بوصفه أكبر مشروع للطاقة الكهرومائية في أفريقيا. وقد كان المشروع جزءاً من استراتيجية أوسع لزيادة إنتاج الكهرباء وتوسيع الوصول إليها وتصدير الفائض إلى الدول المجاورة.
لكن التطور الحالي يبرز في المقابل أن وفرة الطاقة الكهرومائية لا تعني بالضرورة ثبات الإمدادات في جميع الظروف، خصوصاً عندما تتأثر مستويات المياه بالمواسم والجفاف.
جذبت إمكانات الطاقة منخفضة التكلفة شركات تعدين دولية إلى السوق الإثيوبية. وفي يناير 2025، وقعت مجموعة "فينيكس" المدرجة في أبوظبي اتفاقية لشراء 80 ميغاواط من الكهرباء في إثيوبيا، في إطار توسعها في القارة الأفريقية. وجاء الاتفاق مع شركة الكهرباء الإثيوبية لتوفير الطاقة اللازمة لتوسيع عمليات تعدين البيتكوين.
وبعد ذلك، أعلنت "فينيكس" في أبريل 2025 إضافة 52 ميغاواط أخرى من قدرات تعدين البيتكوين في إثيوبيا، ما رفع إجمالي قدرتها التشغيلية في البلاد إلى 132 ميغاواط، ضمن قدرة تشغيلية عالمية تجاوزت 500 ميغاواط.
وتعكس هذه الاستثمارات سرعة تحول إثيوبيا إلى إحدى الوجهات التي سعت شركات التعدين إلى الاستفادة منها بعد تنصيف البيتكوين في 2024، عندما أدت مكافآت التعدين المنخفضة وتكاليف التشغيل إلى زيادة أهمية الوصول إلى مصادر طاقة أقل كلفة. وقد أشارت "رويترز" آنذاك إلى أن بعض شركات التعدين بدأت البحث عن مناطق تتمتع بظروف طاقة أكثر ملاءمة، بما فيها إثيوبيا.
غير أن التخفيضات الحالية تضع هذه الاستراتيجية أمام عامل جديد، وهو مدى موثوقية الإمدادات الكهربائية عندما تتغير الظروف المناخية وتتنافس قطاعات مختلفة على الطاقة المتاحة.
تأتي أزمة الكهرباء في إثيوبيا في وقت تواجه فيه صناعة تعدين البيتكوين ضغوطاً اقتصادية أوسع.
فبموجب آلية التنصيف في شبكة البيتكوين، تنخفض مكافأة تعدين الكتل إلى النصف كل نحو أربع سنوات، ما يقلص عدد عملات البيتكوين الجديدة التي يحصل عليها المعدنون مقابل تشغيل البنية التحتية. ويجعل ذلك الربحية أكثر ارتباطاً بسعر البيتكوين، ورسوم المعاملات، وكفاءة الأجهزة، وتكلفة الكهرباء.
وفي هذا السياق، طرح الخبير الاقتصادي ومؤلف كتاب "معيار البيتكوين"، سيف الدين عموص، فرضية مفادها أن استهلاك الكهرباء والإنفاق الرأسمالي العالميين في قطاع تعدين البيتكوين ربما بلغا ذروتهما خلال الفترة بين 2024 و2025.
وأشار إلى أن القيمة الدولارية للبيتكوين الجديدة التي ينتجها القطاع تواجه ضغطاً هيكلياً مع استمرار انخفاض مكافآت التعدين، ما لم يعوض ذلك ارتفاع في سعر البيتكوين أو زيادة كبيرة في رسوم المعاملات.
لكن عموص أوضح أن هذه فرضية قابلة للاختبار، إذ يمكن أن تتغير الصورة في حال ارتفعت رسوم المعاملات بصورة مستدامة أو عاد استهلاك الكهرباء في الشبكة إلى تجاوز مستوياته السابقة.
بالتوازي مع ضغوط اقتصاديات التعدين، تتجه بعض الشركات إلى استغلال أصولها الكهربائية ومراكز البيانات في خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء.
وتستفيد شركات التعدين من امتلاكها مواقع مزودة بالطاقة، واتصالات كهربائية وبنية تحتية لمراكز البيانات، وهي أصول أصبحت أكثر أهمية مع تزايد الطلب على قدرات الحوسبة اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وقد أشارت "رويترز" في 2024 إلى أن شركات تعدين البيتكوين بدأت بالفعل تنويع نماذج أعمالها باتجاه الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء، في وقت أدى فيه الطلب المتزايد على مراكز البيانات إلى زيادة المنافسة على مواقع الطاقة.
وفي يونيوحزيران 2026، قدّرت "فان إيك" وجود فجوة تمويلية قريبة الأجل تبلغ نحو 50 مليار دولار بين خطط شركات التعدين المدرجة لتطوير بنية الذكاء الاصطناعي وبين التمويل المتاح لتنفيذ تلك المشاريع. وأشارت الشركة إلى أن الوصول إلى التمويل وتنفيذ المشاريع في الوقت المحدد أصبحا عاملين رئيسيين في قدرة المعدنين على التحول من تعدين البيتكوين إلى بنية الحوسبة والذكاء الاصطناعي.
كما أظهرت بيانات "فان إيك" في يونيو أن إيرادات تعدين البيتكوين تراجعت خلال مايو 2026 بنحو 26% على أساس سنوي إلى نحو 1.12 مليار دولار، ما يوضح الضغوط التي دفعت عدداً من المشغلين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية.
إلى ذلك، تكشف تجربة إثيوبيا أن جاذبية الطاقة منخفضة التكلفة وحدها لا تكفي لضمان استقرار عمليات تعدين البيتكوين على المدى الطويل. فقد ساعدت الطاقة الكهرومائية الرخيصة البلاد على جذب شركات التعدين وتحويل القطاع إلى مصدر مهم لإيرادات شركة الكهرباء، لكن اعتماد هذه الميزة على موارد مائية متغيرة يجعل استمرارية الإمدادات مرتبطة أيضاً بالظروف المناخية وأولويات الدولة تجاه الأسر والصناعة.
وفي الوقت نفسه، تتزامن هذه التطورات مع تحول أوسع في قطاع التعدين، حيث لم تعد المنافسة تدور حول سعر الكهرباء وكفاءة أجهزة التعدين فقط، بل حول كيفية استغلال البنية التحتية الكهربائية نفسها. وبين انخفاض مكافآت التعدين، والضغوط على الإيرادات، وصعود الطلب على الحوسبة والذكاء الاصطناعي، قد تصبح المواقع القادرة على توفير طاقة مستقرة وقابلة للتوسع أكثر أهمية من مجرد المواقع التي تقدم أرخص سعر للكهرباء.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
اختيارات المحرر
في نفس المجال

البيتكوين تحت ضغط حرب إيران واضطرابات مضيق هرمز وارتفاع النفط
مكتب التحرير
١٤ سبتمبر ٢٠٢٦
6 د

إيران توسع استخدام العملات الرقمية لمواجهة العقوبات.. فما حدود USDT؟
سلمى نويهض
٩ سبتمبر ٢٠٢٦
5 د

"بلوك" تتقدم بطلب ترخيص بنك أميركي لحفظ البيتكوين والعملات المستقرة
مكتب التحرير
٩ سبتمبر ٢٠٢٦
4 د

اختراق بقيمة 320 مليون دولار يستهدف شبكة بيتكوين المستخدمة من منصات التداول
مكتب التحرير
٧ سبتمبر ٢٠٢٦
4 د