بنية تحتية وتوسّع
مشاركة
تعود ربحية تعدين بيتكوين إلى الواجهة في يونيو، بعدما أظهرت مؤشرات إيرادات المعدّنين تباطؤاً واضحاً مقارنة بالفترة الأقوى التي مر بها القطاع سابقاً.
لا تشير البيانات المتاحة حالياً إلى ضغوط حادة شبيهة بتلك التي ظهرت في قيعان دورات سابقة. لكنها تكشف عن سوق أصبحت فيها تكلفة الطاقة، وكفاءة الأجهزة، وجودة البنية التحتية، والانضباط التشغيلي عوامل يصعب تجاهلها.
ويأتي ذلك في مرحلة لم تعد فيها شركات التعدين الكبرى تقدم نفسها كمجرد منتجين لبيتكوين. فجزء متزايد من القطاع يتحرك نحو مراكز البيانات، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والحوسبة عالية الأداء، والخدمات المرتبطة بالطاقة والحوسبة.
بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يحمل هذا التحول أهمية خاصة. فالقطاع الرقمي في المنطقة لم يعد محصوراً في المنصات، والحفظ، والتداول. بل بات التعدين جزءاً من نقاش أوسع حول الطاقة، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، والتبريد، والبنية التحتية السيادية.
وفقاً لمحلل CryptoQuant أكسل أدلر جونيور، تراجع متوسط Puell Multiple المتحرك لثلاثين يوماً من 0.83 في نهاية مايو إلى 0.74 في 10 يونيو، أي بانخفاض يقارب 11% خلال عشرة أيام. كما هبطت القراءة الفورية للمؤشر إلى 0.58.
يقيس مؤشر Puell Multiple إيرادات المعدّنين اليومية مقارنة بمتوسطها خلال 365 يوماً. وعندما تكون القراءة دون مستوى 1.0، فهذا يعني أن الإيرادات الحالية أقل من المتوسط السنوي. ورغم هذا التراجع، لا تزال المستويات الحالية أعلى من قيعان سابقة، منها 0.45 في عام 2022 و0.33 في ديسمبر 2018.
بمعنى آخر، يمر القطاع بمرحلة ضغط على الربحية، لكنه لا يبدو حتى الآن في حالة استسلام عميقة.
وتشير مؤشرات أخرى إلى الاتجاه نفسه. فقد تراجع مضاعف السعر إلى إيرادات المعدّنين من ذروة بلغت 160 في عام 2025 إلى نحو 80، فيما كان مؤشر استسلام المعدّنين لدى أدلر عند حوالى -21% في 9 يونيو. تاريخياً، تصبح الضغوط أكثر حدة عندما يتجاوز هذا المؤشر مستوى -30%.
تجمع هذه البيانات بين رسالتين واضحتين. الأولى أن سوق التعدين لا يعيش انهياراً واسعاً. والثانية أن الهامش التشغيلي بات أكثر حساسية لتكلفة الكهرباء، وكفاءة الأجهزة، واستمرارية التشغيل، وجودة المواقع.
لا يمكن فصل تراجع ربحية التعدين عن التحول الأوسع الذي يشهده القطاع.
خلال العام الماضي، أعادت عدة شركات تعدين مدرجة تقديم نفسها حول مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، واستضافة وحدات المعالجة الرسومية، والخدمات السحابية، والحوسبة عالية الأداء. فالمنطق التجاري واضح: مواقع التعدين تعتمد أصلاً على الطاقة، والأراضي، والتبريد، والعلاقات مع الشبكات الكهربائية، والخبرة التشغيلية. وهذه العناصر نفسها أصبحت مطلوبة في سوق الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
وأشار تقرير CoinShares للربع الأول من عام 2026 حول تعدين بيتكوين إلى أن المعدّنين وقعوا صفقات استضافة وحدات معالجة رسومية وخدمات سحابية تفوق قيمتها 70 مليار دولار خلال عام 2025 وبداية 2026. كما رجح التقرير أن تتراجع حصة إيرادات تعدين بيتكوين لدى بعض المشغلين مع توسع هذه العقود.
هذا لا يعني أن التعدين يختفي. بل يعني أن تعدين بيتكوين يتحول تدريجياً إلى حالة استخدام واحدة داخل نموذج أوسع للبنية التحتية المدعومة بالطاقة.
وهنا يتغير معيار التقييم. فلم يعد المستثمرون ينظرون فقط إلى عدد عملات بيتكوين التي تنتجها الشركة. بل ينظرون أيضاً إلى عقود الطاقة، وجودة المواقع، وتصميم التبريد، واتفاقيات العملاء، وهيكل رأس المال، وقدرة الشركة على تحويل البنية التحتية التعدينية إلى إيرادات حوسبة أكثر استقراراً.
لكن هذا التحول ليس نجاحاً تلقائياً. فموقع التعدين لا يصبح مركز بيانات للذكاء الاصطناعي بمجرد تغيير الوصف. هذا الانتقال يحتاج إلى عملاء مختلفين، ومعايير موثوقية أعلى، واستثمارات رأسمالية أكبر، ومتطلبات تقنية أكثر تعقيداً. الشركات التي ستنجح في هذا المسار ستحتاج إلى أكثر من سردية جديدة.
تعتمد ربحية تعدين بيتكوين على عدة عوامل، منها سعر بيتكوين، وصعوبة الشبكة، ورسوم المعاملات، وكفاءة الأجهزة، وتكلفة الكهرباء، ومؤشر hashprice.
ويقيس hashprice الإيراد المتوقع من وحدة الهاش ريت خلال يوم واحد. وعندما يتراجع هذا المؤشر، يكون المشغلون ذوو تكاليف الكهرباء المرتفعة أو الأجهزة الأقل كفاءة أول من يشعر بالضغط.
لذلك تعود اقتصاديات الطاقة إلى صلب النقاش. فالمشغلون الذين يمتلكون ترتيبات طاقة تنافسية، وأسطول أجهزة أكثر كفاءة، وقدرة أعلى على الحفاظ على التشغيل المستمر، يكونون في موقع أفضل خلال فترات الضغط.
بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يوفر ذلك إطاراً عملياً لتقييم القطاع. فالمنطقة تمتلك موارد طاقة وطموحات بنية تحتية واهتماماً متزايداً بالحوسبة الكثيفة. لكن مشاريع التعدين ومراكز البيانات باتت تقاس بالأداء التشغيلي، لا بالإعلانات عن السعة وحدها.
السؤال لم يعد: كم ميغاواط تم الإعلان عنه؟ بل: كم طاقة مؤمنة فعلياً؟ ما تكلفتها؟ كيف تتحول إلى هاش ريت أو قدرة حوسبة؟ وما مستوى الشفافية في الإبلاغ عن الأداء؟
في دول الخليج، ترتبط هذه الأسئلة أيضاً بالظروف المناخية. فالحوسبة الكثيفة في أسواق تتجاوز فيها درجات الحرارة صيفاً 45 درجة مئوية تفرض تحديات إضافية على التبريد والكفاءة. لذلك تتجه بعض الشركات إلى دراسة حلول مثل التبريد بالغمر، والتبريد المباشر للرقائق، وتصاميم مراكز البيانات المتخصصة.
ولا يعني ذلك أن تقنية التبريد وحدها تحسم المعادلة. لكنها تفسر لماذا لا يمكن تقييم التعدين والحوسبة في الأسواق الحارة من خلال السعة المركبة فقط. فتصميم الموقع، واستهلاك الطاقة غير المباشر، واستمرارية التشغيل، وكفاءة التبريد، كلها عناصر تحدد القدرة التنافسية الفعلية.
لا تزال البيانات العامة حول التعدين في الخليج محدودة نسبياً. فالقطاع الإقليمي يتطور عبر عدد أصغر من اللاعبين الظاهرين، وليس عبر مجموعة واسعة من شركات التعدين المدرجة كما هو الحال في أميركا الشمالية.
هذا لا يقلل من أهمية المنطقة. لكنه يعني أن هيكل السوق مختلف.
في أميركا الشمالية، تنشر شركات التعدين المدرجة عادة بيانات حول الهاش ريت، وإنتاج بيتكوين، وتكلفة الطاقة، وكفاءة الأجهزة، وحيازة بيتكوين، وهوامش التشغيل. أما في الخليج، فتعتمد الرؤية العامة بدرجة أكبر على الشركات التي تكشف تفاصيل تشغيلية كافية.
وتعد مجموعة فينيكس (Phoenix Group)، المدرجة في سوق أبوظبي للأوراق المالية، أحد أوضح المراجع العامة في المنطقة.
في تقريرها السنوي لعام 2025، أعلنت فينيكس أن الهاش ريت الإجمالي لأعمالها بلغ 15.87 إكساهاش في الثانية، ما يعادل نحو 1.5% من الهاش ريت العالمي لبيتكوين وفق متوسط أرقام الربع الرابع من 2025. كما أعلنت إنتاج 3.79 بيتكوين يومياً، واستهلاك طاقة يبلغ 387.6 ميغاواط، وكفاءة تعدين عند 24.42 ميغاواط لكل إكساهاش، ومتوسط تكلفة طاقة يبلغ 0.049 دولار لكل كيلوواط ساعة.
أهمية هذه الأرقام أنها تقدم نموذجاً لنوع البيانات الذي يحتاجه السوق لفهم التعدين: الهاش ريت، والإنتاج، واستهلاك الطاقة، والكفاءة، وتكلفة الكهرباء. كما توفر معياراً إقليمياً معلناً من شركة مدرجة في الإمارات، من دون التعامل مع شركة واحدة كمرآة كاملة للسوق الخليجي.
وتظهر أنشطة فينيكس في 2025 أيضاً كيف أصبح التعدين أكثر تنوعاً جغرافياً. فقد أعلنت الشركة توسع عملياتها في إثيوبيا عبر تأمين 132 ميغاواط من السعة الإجمالية، منها 82 ميغاواط قيد التشغيل، إلى جانب توسعها في الولايات المتحدة عبر مواقع في نورث داكوتا وتكساس بسعة تشغيلية تبلغ 75 ميغاواط.
بالنسبة إلى القارئ الإقليمي، لا تكمن أهمية هذه الأرقام في حجمها فقط. بل في أنها تربط التعدين بنموذج بنية تحتية أوسع قائم على الوصول إلى الطاقة، والكفاءة التشغيلية، واختيار المواقع عالمياً.
توضح خطوة فينيكس الأخيرة في فرنسا كيف بدأت قصة التعدين الإقليمية تتوسع إلى ما هو أبعد من إنتاج بيتكوين.
كما نشرت Unlock Blockchain في مايو 2026، دخلت الشركة المدرجة في أبوظبي في شراكة مع دي سي ماكس (DC Max) الفرنسية لتطوير أول مركز بيانات أوروبي جاهز للذكاء الاصطناعي في مدينة ليون. وتبلغ قدرة المشروع الأول 18 ميغاواط، مع استحواذ فينيكس على أرض المشروع، وتوفر التصاريح، والربط بالشبكة الكهربائية، والطاقة اللازمة. ومن المتوقع تسليم المشروع بين الربع الرابع من 2027 والربع الأول من 2028.
ويمثل المشروع أول نشر فعلي ضمن منصة مراكز البيانات الأوروبية التابعة لفينيكس، والتي تستهدف أكثر من 1 غيغاواط من قدرات الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء عبر أوروبا ودول الخليج.
أهمية هذه الخطوة لا تكمن في التوسع الجغرافي وحده. بل في أنها تظهر كيف يمكن لشركة تعدين أن تستخدم خبرتها في الطاقة، والتبريد، وتطوير المواقع، والتشغيل، للانتقال نحو بنية تحتية أوسع للحوسبة.
بالنسبة إلى المنطقة، يجعل ذلك قصة التعدين أكثر استراتيجية. فالمشغلون الإقليميون لن يقيموا فقط بعدد عملات بيتكوين التي ينتجونها، بل بقدرتهم على تحويل البنية التحتية المدعومة بالطاقة إلى منصات ذات مصداقية في الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والحوسبة عالية الأداء.
مع تزايد انتقائية اقتصاديات التعدين عالمياً، تصبح البيانات التشغيلية العامة أكثر أهمية في فهم القطاع.
لا تزال السعة المعلنة مهمة. لكن السوق ينظر اليوم بدرجة أكبر إلى الهاش ريت الفعلي، وإنتاج بيتكوين، وتكلفة الطاقة، ونسبة الاستخدام، وكفاءة الأجهزة، واستمرارية التشغيل، وأداء المواقع، وهيكل رأس المال.
وهنا تحتاج القصة الإقليمية إلى مزيد من الانضباط. يمكن للتعدين والبنية التحتية للحوسبة أن يدعما الاقتصاد الرقمي في المنطقة، لكن ذلك يتطلب الانتقال من الإعلانات العامة إلى بيانات تشغيلية أوضح.
الأمر نفسه ينطبق على الشركات التي تحاول استخدام التعدين كجسر نحو الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. نمو الإيرادات وحده لا يكفي. فالمستثمرون والمراقبون سيبحثون عن الربحية، وطريقة تمويل التوسع، ومدى حماية المساهمين من التخفيف، وقدرة الشركة التقنية والتجارية على خدمة أعباء حوسبة أعلى قيمة.
هذه النقطة أساسية. فقد تنتج شركة ما بيتكوين، لكنها تفشل في خلق قيمة للمساهمين. وقد تعلن طموحات في مراكز البيانات، لكنها تفتقر إلى البنية التحتية أو العملاء أو الميزانية العمومية اللازمة للمنافسة. لذلك من المرجح أن يكافئ السوق الشركات التي تثبت التنفيذ، لا تلك التي تضيف مصطلحات الذكاء الاصطناعي والحوسبة إلى نشاط التعدين فقط.
بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يخلق ذلك فرصة واختباراً في الوقت نفسه. فالمنطقة تمتلك الطاقة، ورأس المال، وطموحات مراكز البيانات، واهتماماً متزايداً بالبنية التحتية الرقمية. لكن المرحلة المقبلة ستعتمد على قدرة المشغلين على تحويل هذه العناصر إلى أداء قابل للقياس.
تظهر مؤشرات 2026 أن تعدين بيتكوين يدخل مرحلة أكثر اعتماداً على الكفاءة.
إيرادات المعدّنين أدنى من متوسطها السنوي، لكن السوق لا يزال بعيداً عن مستويات الضغط العميق التي ظهرت في قيعان دورات سابقة. في المقابل، أصبح القطاع أكثر انتقائية، مع تركيز أكبر على تكلفة الطاقة، وكفاءة الأجهزة، وجودة البنية التحتية، والانضباط الرأسمالي، والأداء التشغيلي.
في الوقت نفسه، تعيد موجة مراكز البيانات تشكيل قطاع التعدين العالمي. بالنسبة إلى بعض المشغلين، يصبح تعدين بيتكوين جزءاً من استراتيجية أوسع للحوسبة. وبالنسبة إلى آخرين، قد يكشف هذا التحول نقاط ضعف لا تستطيع إيرادات التعدين وحدها إخفاءها.
بالنسبة إلى المنطقة، تشكل هذه المرحلة مرجعاً مهماً. فقصة التعدين والحوسبة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستقاس بدرجة أقل بالإعلانات عن السعة، وبدرجة أكبر بالتنفيذ، واستراتيجية الطاقة، والشفافية، والأداء القابل للقياس.
ومع تراجع ربحية التعدين عالمياً، سيتوقف دور المنطقة في اقتصاد الحوسبة الأوسع على قدرة اللاعبين الإقليميين على تحويل الوصول إلى الطاقة إلى عمليات قابلة للتوسع، فعالة، وموثقة ببيانات واضحة.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
اختيارات المحرر

إم جي إكس وفينيكس تضعان رأس المال الإماراتي خلف صعود فرنسا في الذكاء الاصطناعي
وليد أبو زكي
١٠ يونيو ٢٠٢٦
9 دقيقة

العملات الرقمية تكبر... ونهاية عصر الضجيج
وليد أبو زكي
٧ يونيو ٢٠٢٦
5 دقيقة

عقوبات بريطانية على HTX تعيد طرح تحقيق UNLOCK Blockchain حول مخاطر الامتثال
انا ماريا قشوع
٢ يونيو ٢٠٢٦
5 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

VARA ترفع سقف الامتثال أمام شركات الأصول الافتراضية في دبي
علا راجح
١٢ يونيو ٢٠٢٦
8 د

بتغو مينا تطلق التداول الإلكتروني وتوسّع بنية الأصول الرقمية المؤسسية في دبي
وليد أبو زكي
١١ يونيو ٢٠٢٦
7 د

كوبر الشرق الأوسط تحصل على موافقة مبدئية لتوسيع أنشطة الأصول الرقمية في أبوظبي
مكتب التحرير
١٠ يونيو ٢٠٢٦
4 د

أو كي أكس الشرق الأوسط تدعم مبادرة «متطوعو الإمارات» بمليون درهم
مكتب التحرير
٢ يونيو ٢٠٢٦
4 د



