تشريعات وسياسات
مشاركة

وأ
الرئيس التنفيذي & رئيس التحرير
أطلق كل من Better وCoinbase في الولايات المتحدة نموذجًا جديدًا للتمويل السكني يقدّم لمحة مبكرة عن كيفية تفاعل الأصول الرقمية مع سوق الرهن العقاري التقليدي من دون الحاجة إلى بيعها أولًا. ويجمع هذا النموذج بين رهن عقاري تقليدي مطابق للمعايير المعمول بها، وقرض منفصل مضمون بأصول رقمية يُستخدم لتغطية الدفعة الأولى، ما يتيح للمقترض الاحتفاظ بانكشافه على بيتكوين أو العملة المستقرة USDC مع الاستمرار في الوصول إلى التمويل العقاري.
تكمن أهمية هذا النموذج ليس في أن المنازل أصبحت تُشترى بالعملات الرقمية، بل في أن الأصول الرقمية بدأت تُعامل كجزء قابل للاستخدام من الثروة عند التعامل مع منتج مالي رئيسي مثل الرهن العقاري. وبالنسبة إلى أسواق مثل دبي، حيث يحتفظ عدد كبير من المستثمرين ورواد الأعمال والمتداولين بأصول رقمية ذات قيمة، يفتح هذا التطور بابًا لسؤال أوسع: كيف يمكن لهذه الثروة الرقمية أن ترتبط مستقبلًا بالتمويل العقاري ضمن إطار منظم ومتوازن؟
ويزداد هذا السؤال أهمية في وقت تتسم فيه سوق العقارات بمزيد من الحذر والانتقائية. ففي مثل هذه الظروف، لا يدور النقاش حول “تعطيل” النظام المالي القائم، بل حول توسيع الخيارات المتاحة. فوجود هيكل تمويلي يسمح لحاملي الأصول الرقمية بالدخول إلى السوق العقارية من دون تصفية مراكزهم طويلة الأجل قد يصبح، مع الوقت، فكرة ذات جاذبية متزايدة في مراكز مالية مثل دبي تجمع أصلًا بين نشاط قوي في القطاع العقاري وقطاع الأصول الرقمية.
النموذج الذي طرحته Better بالتعاون مع Coinbase أكثر تحفظًا مما قد يوحي به مصطلح “رهن عقاري بالعملات الرقمية”. فالمقترض يحصل على رهن عقاري تقليدي من Better، وفي الوقت نفسه يحصل على تسهيل ائتماني منفصل مضمون بأصول رقمية محتفظ بها لدى Coinbase. ويُستخدم هذا التسهيل الثاني لتمويل الدفعة الأولى، بدلًا من اضطرار المقترض إلى بيع أصوله الرقمية لتوفير السيولة.
تكمن أهمية هذا التصميم في أنه يفصل بين تقلبات السوق الرقمية وبين شروط خدمة الرهن العقاري نفسه. فالرهن يبقى ضمن المسار التقليدي المعروف، فيما تأتي الطبقة المرتبطة بالأصول الرقمية على شكل تمويل موازٍ. هذا لا يلغي الرافعة المالية، ولا يزيل تعقيد المخاطر على المستهلك، لكنه يخفف من أحد أكثر المخاوف وضوحًا في أي منتج سكني مرتبط بالأصول الرقمية: احتمال أن يؤدي هبوط حاد في سعر بيتكوين إلى زعزعة الرهن العقاري نفسه بصورة مباشرة.
من هذه الزاوية، لا تتمثل أهمية المنتج الأميركي في أنه أعاد تعريف معايير الرهن العقاري، بل في أنه أظهر كيف يمكن للمؤسسات المالية أن تبني حول القواعد القائمة بدلًا من كسرها. فالرهن العقاري التقليدي يبقى منفصلًا عن الأصل الرقمي، في حين يتم التعامل مع السيولة المدعومة بالأصول الرقمية خارج هذا الرهن. وهذا فارق جوهري.
بالنسبة إلى دبي، لا تكمن أهمية هذا النموذج في إمكانية نسخه فورًا، بل في كونه يشير إلى فكرة تمويلية قد تصبح ذات صلة مستقبلًا في سوق تضم قاعدة كبيرة من حاملي الأصول الرقمية وتتمتع بشهية استثمارية قوية تجاه العقارات.
لكن أي نقاش جدي حول منتج مماثل سيقود سريعًا إلى مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي. فإطار الرهن العقاري المعتمد لدى المصرف المركزي ينص على أن الدفعة الأولى المطلوبة من المقترض يجب أن تأتي من موارده الخاصة، لا من مصادر اقتراض أخرى، بما في ذلك القروض الشخصية أو البطاقات الائتمانية. وهذه النقطة تحديدًا تفسر لماذا سيكون من الصعب تطبيق نسخة مطابقة مباشرة للنموذج الأميركي داخل الإطار التنظيمي الحالي في الإمارات.
ومن هنا، لا ينبغي تأطير المسألة على أنها نقص في تنظيم الأصول الرقمية. فدبي تمتلك بالفعل أحد أكثر الأطر التنظيمية تقدمًا في هذا المجال عبر سلطة تنظيم الأصول الافتراضية VARA، التي وضعت قواعد واضحة لأنشطة مثل الحفظ، والإقراض، والاقتراض، وترتيبات الضمانات. النقطة الأكثر دقة هي أن تنظيم الأصول الرقمية وتنظيم الرهن العقاري تطورا بوتيرتين مختلفتين، وأن التفاعل بينهما لا يزال في مرحلة مبكرة.
بمعنى آخر، السؤال ليس ما إذا كانت دبي “تفهم” الأصول الرقمية، بل ما إذا كان يمكن مستقبلًا التعامل مع تسهيل مضمون بأصول رقمية ومنظم ضمن إطار VARA بوصفه مختلفًا في طبيعته ومخاطره عن الاقتراض التقليدي المستخدم لتمويل الدفعة الأولى. وهذا في جوهره سؤال يتعلق بمدى إمكان التقاطع بين إطار VARA الخاص بالأصول الافتراضية، وإطار مصرف الإمارات المركزي الخاص بالرهن العقاري والتمويل المسؤول.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
من أكثر الجوانب أهمية في هذا النموذج أنه لا يشير إلى تراجع دور البنوك، بل ربما إلى العكس تمامًا.
فالثروة الرقمية قد تنشأ خارج النظام المصرفي التقليدي، لكن لحظة ربطها بشراء منزل تعيد العملية كلها إلى عالم المقرضين المنظمين، ومعايير الاكتتاب، والبنية التحتية لخدمة القروض، وفحوص القدرة على السداد، والإشراف الائتماني طويل الأجل. وفي الإمارات، تقع هذه المتطلبات الاحترازية بوضوح ضمن إطار مصرف الإمارات المركزي، بما يشمل قواعد الرهن العقاري، ونسب عبء الدين، ومبادئ التمويل المسؤول.
لذلك، لا تبدو هذه القصة وكأنها انتصار لـDeFi على حساب البنوك، بل أقرب إلى كيفية سعي التمويل المنظم إلى الحفاظ على مركزيته في عالم بدأت فيه الثروة تتشكل بشكل متزايد في صورة رقمية. وبصياغة أخرى، نحن أمام محاولة من التمويل التقليدي لإعادة استيعاب الثروة الرقمية داخل منتجات خاضعة للإشراف، بدل ترك هذا النشاط لقنوات موازية بالكامل أو لمنصات لا مركزية.
وفي حالة دبي، يكتسب هذا الأمر أهمية خاصة. فإذا أراد حاملو الأصول الرقمية الانتقال إلى العقار من دون تصفية حيازاتهم، فإن المسار الأكثر استدامة على الأرجح لن يكون ذلك الذي يتجاوز النظام المالي المنظم بالكامل، بل ذلك الذي يبقي البنوك والمقرضين والجهات التنظيمية جزءًا أساسيًا من المعادلة مع التكيف في الوقت نفسه مع شكل جديد من الثروة.
توقيت هذا النقاش ليس تفصيلًا ثانويًا. ففي الفترات التي تصبح فيها السوق العقارية أكثر هدوءًا، تزداد أهمية المرونة التمويلية. يصبح المشترون أكثر حساسية للأسعار، ويبدأ المطورون والوسطاء والمقرضون في البحث عن مصادر جديدة للطلب.
ودبي تضم بالفعل شريحة واسعة من المستثمرين الذين يتحركون بين الأصول الرقمية والعقارات في آن واحد. وبالنسبة إلى هؤلاء، قد تصبح القدرة على دخول السوق العقارية من دون الخروج من مراكزهم الرقمية طويلة الأجل فكرة جذابة، لا سيما عندما تبدو تقييمات السوق العقارية أكثر ملاءمة للشراء. وهذا لا يعني أن مثل هذا المنتج يجب أن يُطرح بسرعة أو من دون حذر، لكنه يعني أن منطقه التجاري أصبح أسهل فهمًا من السابق.
وأي نسخة مستقبلية في دبي ستحتاج إلى تصميم محافظ ودقيق. فجانب الأصول الرقمية يجب أن يكون ضمن إطار منظم من VARA، بينما يظل جانب الرهن العقاري خاضعًا لقواعد مصرف الإمارات المركزي. كما أن أي جسر بين الإطارين سيحتاج إلى مبررات قوية تتعلق بحماية المستهلك، وقابلية التنفيذ القانوني، والقدرة على السداد، وضبط المخاطر.
لا يثبت نموذج Better وCoinbase أن الرهون العقارية المرتبطة بالأصول الرقمية أصبحت سائدة بالكامل. لكنه يثبت شيئًا أكثر دقة وربما أكثر أهمية: أن الأصول الرقمية بدأت تُعامل تدريجيًا كجزء يمكن استخدامه من الثروة عند التعامل مع معاملات واقعية كبيرة، حتى لو بقي الرهن العقاري نفسه تقليديًا من حيث البنية والتنظيم.
وهذا مهم بالنسبة إلى دبي لأن المرحلة التالية من الابتكار المالي قد لا تعتمد فقط على استحداث قواعد جديدة للأصول الرقمية، بل على كيفية تفاعل الأطر القائمة أصلًا، ولا سيما أطر VARA ومصرف الإمارات المركزي، عندما تسعى الثروة الرقمية إلى بناء جسر منظم نحو التمويل التقليدي.
لهذا تستحق فجوة الرهن العقاري المضمون بالعملات الرقمية الاهتمام. فهي ليست بالضرورة انتقادًا لما ينقص دبي اليوم، بقدر ما هي إشارة إلى الاتجاه الذي قد تسلكه المنتجات المالية مستقبلًا عندما تبدأ الثروة الرقمية، والتمويل الاحترازي، وتوقيت السوق في التقاطع بصورة أوضح.
القصة الحقيقية، إذن، ليست ما إذا كانت دبي جاهزة للعملات الرقمية، بل كيف ستتكيف المراكز المالية عندما لا تعود الأصول الرقمية تُرى فقط كأدوات مضاربة، بل أيضًا كجزء من قاعدة الثروة التي يرغب المستثمرون في توظيفها من دون تسييلها. ومن هذا المنظور، قد تكشف فجوة الرهن العقاري المضمون بالعملات الرقمية أقل عما هو مفقود اليوم، وأكثر عما يمكن أن يبدو عليه الجيل التالي من الاندماج بين التمويل التقليدي والثروة الرقمية.




اختيارات المحرر

لحظة الإمارات في تبني الأصول الرقمية المؤسسي: لماذا أصبح التفعيل التنظيمي ضرورياً الآن
وليد أبو زكي
٢٧ مارس ٢٠٢٦
6 دقيقة

بيتكوين والهاشريت: لماذا ستكشف أسعار الطاقة المرتفعة من هم الناجون الحقيقيون في التعدين
وليد أبو زكي
٢٦ مارس ٢٠٢٦
7 دقيقة

العملات المستقرة في الإمارات: لماذا صُمِّمت للحركة وليس للبقاء محلياً؟
وليد أبو زكي
٢٨ فبراير ٢٠٢٦
8 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

لحظة الإمارات في تبني الأصول الرقمية المؤسسي: لماذا أصبح التفعيل التنظيمي ضرورياً الآن
وليد أبو زكي
٢٧ مارس ٢٠٢٦
6 د

"ريلم" تنضم رسميًا إلى سوق الأصول الرقمية المنظم بترخيص من VARA
مكتب التحرير
٢٦ مارس ٢٠٢٦
4 د

هايفين في الإمارات: منصة تمويل تجاري نجحت — ومنظومة لم تكن مستعدة
وليد أبو زكي
٢٣ مارس ٢٠٢٦
7 د

كوين بيس تواصل رفضها لمشروع قانون Clarity بصيغته المعدلة
مكتب التحرير
٢٦ مارس ٢٠٢٦
4 د