تشريعات وسياسات
مشاركة
عودة الحديث عن المعاملات الرقمية المرتبطة بإيران ليست مفاجِئة. فشركة بحجم باينانس، وبسجلها السابق مع الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة، ستظل دائماً تحت المجهر، خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بالعقوبات. ومع ذلك، ما يستحق التوقف عنده فعلاً ليس عودة القصة بحد ذاتها، بل كيف تُروى، ولماذا تُضخَّم في هذا التوقيت تحديداً، وماذا تكشف عن حدود النظام الحالي لمراقبة العقوبات في عالم البلوكتشين.
التقارير التي نشرتها Fortune وThe New York Times وThe Wall Street Journal تتقاطع عند نقطة واحدة: تدفقات معاملات يُقال إنها مرتبطة بشبكات إيرانية، وتحقيقات داخلية تتعلق بالامتثال داخل باينانس. وعلى الرغم من أن جميع هذه التقارير أشارت إلى ردود باينانس، إلا أن أياً منها لم يتوقف بعمق عند السياق، أو التوقيت، أو ما تكشفه هذه القضية عن النظام ككل.
ولا يوجد ما يشير إلى أن الجهات التنظيمية تقف خلف هذه التغطية. الإعلام تلقّى معلومات رآها جديرة بالنشر، ومارس دوره التحريري. وهذه هي الصحافة كما يجب أن تكون.
فالمسألة هنا ليست النشر، بل السردية والتوقيت وكيفية توزيع المسؤولية.
العلاقة السابقة بين باينانس والجهات التنظيمية الأمريكية معروفة. ففي عام 2023، وافقت الشركة على دفع غرامة بقيمة 4.3 مليارات دولار لتسوية مخالفات تتعلق بمكافحة غسل الأموال والامتثال للعقوبات. كما تنحّى مؤسسها، Changpeng Zhao، عن منصبه التنفيذي، وقضى لاحقاً عقوبة بالسجن.
كان من المفترض أن تمثل تلك التسوية نقطة تحول وبداية مرحلة جديدة من النضج المؤسسي والامتثال الصارم. ومن الناحية القانونية، أُغلق ذلك الفصل بشكل كامل، إلا أن الجانب الرمزي والسياسي لم يُغلق بالكامل.
ثم جاء العفو الرئاسي لاحقاً ليُربك سردية “الردع” التي بُنيت حول القضية، ويُبقي باينانس في دائرة الشك. ومنذ تلك اللحظة، بات أي ملف جديد، وخصوصاً إذا كان مرتبطاً بإيران، يُقرأ تلقائياً من زاوية “انعدام الثقة المتراكم”.
هناك نقطة أساسية غابت عن كثير من النقاش العام: باينانس لا تنكر حدوث معاملات على منصتها.
ما تشدد عليه الشركة هو أمر أكثر دقة وتقنية. بحسب باينانس، وفي وقت تنفيذ تلك المعاملات:
بعبارة أخرى، الجدل لا يدور حول وقوع النشاط، بل حول إمكانية رؤيته وتحديده في حينه. وهذا فارق جوهري، لأن الامتثال للعقوبات في عالم البلوكتشين، كما يعرف العاملون في هذا المجال، غالباً ما يكون استدراكياً بعد وقوع الحدث، وليس استباقياً. إذ يتم تصنيف المحافظ أو الشبكات في كثير من الأحيان بعد تجميع معلومات استخباراتية أو تنظيمية، وليس قبلها.
أحد أكثر عناصر السردية انتشاراً كان الإيحاء بأن التحقيقات الداخلية توقفت بعد مغادرة بعض موظفي الامتثال. ومع ذلك، ترفض باينانس هذا التصوير بشكل قاطع.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
في فيديو نُشر اليوم، قال كل من الرئيس التنفيذي Richard Teng ورئيس الامتثال Noah Perlman: “الحقيقة هي أن التحقيق استمر بعد مغادرة المحققين المذكورين. ورغم أننا قدمنا هذه المعلومات للصحفيين، فإن التقارير المضللة لم تذكر أننا أنهينا التحقيقات، وأوقفنا التعامل مع الجهات المعنية، وتعاونّا مع أجهزة إنفاذ القانون، ونلتزم بواجبات الإفصاح، وسنواصل القيام بذلك”.
هذا التصريح لا ينفي وجود توتر داخلي أو اختلافات، لكنه يركز على النتيجة الأساسية: التحقيق استُكمل، الجهات أُبعدت عن المنصة، والتعاون مع السلطات استمر.
وبالتالي، هذا التوضيح يغيّر جوهر فهم القصة ويضع الحدث في سياقه الصحيح.
من الناحية التقنية، تكشف هذه القضية عن مسألة أوسع من باينانس نفسها. فالأنظمة الحالية للعقوبات صُممت أصلاً لعالم مصرفي تقليدي، حيث تعتمد على: أطراف محددة بالاسم، حسابات مباشرة، ملكية واضحة، وسيطرة قضائية.
أما في عالم البلوكتشين، فالأمر مختلف تماماً، إذ تتميز المنصات بالآتي:
المحافظ شبه مجهولة، تحديد العلاقات احتمالي وليس قطعياً، المسارات متعددة ومعقدة، والتصنيف غالباً يأتي بعد وقوع النشاط.
وبالتالي، تحميل منصة واحدة مسؤولية اكتشاف علاقات لم تكن ظاهرة حتى للنظام العالمي ككل، يعني تطبيق معيار بأثر رجعي، لا معيار سلوك في لحظته. وهذا ليس نهجاً معمولاً به في التنظيم المالي، سواء في عالم العملات المشفرة أو التمويل التقليدي.
اليوم، تعمل باينانس تحت إشراف جهات تنظيمية متعددة، من بينها Abu Dhabi Global Market في أبوظبي. ويأتي ذلك في وقت خرجت فيه دولة الإمارات حديثاً من القائمة الرمادية الخاصة بـFinancial Action Task Force.
وفي هذا السياق، تصبح المصداقية التنظيمية أولوية وطنية. ومن الصعب افتراض أن السلطات ستخاطر بسمعتها الدولية عبر استضافة أعمال عالمية كبرى دون ثقة عالية بالإطار التنظيمي ونظام الامتثال القائم.
إيران تحتل موقعاً خاصاً في منظومة العقوبات العالمية، وترتبط مباشرة باعتبارات الأمن القومي والجغرافيا السياسية. ومع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، تصبح أي معاملة مرتبطة بإيران، ولو بشكل غير مباشر، محمّلة بدلالات سياسية تفوق بعدها التقني.
وفي مثل هذه اللحظات، تتحول المؤسسات المالية أحياناً إلى رموز في نقاشات جيوسياسية أوسع. فالقضايا التي ربما كانت تُعدّ “مغلقة” أو “مُعالجة” في ظروف أكثر هدوءاً، يُعاد فتحها وإعادة تأطيرها.
وهذا لا يُبطل العمل الصحفي، لكنه يفسر سبب وكيفية تضخم السرديات في مثل هذه السياقات.
هذه ليست قصة عن إنكار أخطاء الماضي، فهذا الفصل محسوم.
إنها قصة عن كيفية تقييم الامتثال بعد التسوية: هل نقيسه بالاستجابة الفعلية والعملية عندما تتوفر المعلومات، أم نظل نحاكم المؤسسات إلى الأبد عبر عدسة ماضيها؟
باينانس تقول إن النظام هذه المرة عمل كما ينبغي، إذ تم التعرف على المخاطر عند توفر المعطيات، استمر التحقيق، أُبعدت الجهات المعنية، وتم إشراك الجهات التنظيمية.
ورغم ذلك، لا يزال البعض متشككاً. لكن ما هو واضح أن اختزال هذه القضية في عناوين فقط يُغفل السؤال الأعمق: هل نواجه إخفاق مؤسسة، أم حدود النظام العالمي لمراقبة العقوبات على البلوكتشين؟
هذا سؤال مفتوح… ويتجاوز باينانس بكثير.




اختيارات المحرر

العملات المستقرة في الإمارات: لماذا صُمِّمت للحركة وليس للبقاء محلياً؟
وليد أبو زكي
٢٨ فبراير ٢٠٢٦
8 دقيقة

المصرف المركزي الإماراتي يصدر بيانًا لحسم الجدل حول المادة 62
وليد أبو زكي
٢٥ فبراير ٢٠٢٦
5 دقيقة

ليتوانيا تواجه قطاع العملات الرقمية: هل خسرت ليتوانيا الابتكار لصالح الإمارات؟
سلمى نويهض
١٨ فبراير ٢٠٢٦
7 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

حظر العملة الرقمية الصادرة عن البنك المركزي ضمن تشريع جديد في الولايات المتحدة
مكتب التحرير
٣ مارس ٢٠٢٦
2 د

السيناتور “وارين” تضغط على رئيس OCC بشأن ترخيص بنك ترامب الرقمي
مكتب التحرير
٢٧ فبراير ٢٠٢٦
3 د

نشاط العملات الرقمية المرتبط بإيران يتجاوز 3 مليارات دولار في 2025
مكتب التحرير
٦ مارس ٢٠٢٦
4 د

موافقة هيئة الأوراق المالية على صندوق WisdomTree الرقمي للتداول الفوري
مكتب التحرير
٢٥ فبراير ٢٠٢٦
2 د