الأبحاث والتحليلات
مشاركة

وأ
الرئيس التنفيذي & رئيس التحرير
ثمة رواية لقصة هايفين تبدو وكأنها قصة نجاح لشركة فينتك إماراتية. منصة مدعومة بتقنية البلوكشين، بُنيت من قِبل البنوك وللبنوك، تعالج بهدوء أحد أكثر مشكلات التمويل التجاري تعقيداً — وهي ازدواجية الفواتير والتمويل الاحتيالي. بحلول عام 2023، كانت المنصة قد أتمت معالجة ما قيمته 120 مليار درهم من المعاملات في عام واحد، فيما تجاوز الإجمالي منذ انطلاقها التجاري 200 مليار درهم. كانت تحقق أرباحاً، وكانت في طور التوسع. ولمن يتابع تطبيقات بيانات السجلات الموزعة في القطاع المصرفي الإماراتي، كانت تُمثّل أبرز دليل عملي وموثوق أنتجته المنطقة حتى اليوم.
ثم، وبهدوء، بدأت الأمور تتغير.
لفهم أين تقف هايفين اليوم، لا بد من فهم المشكلة التي وُجدت لمعالجتها.
ظلّ الاحتيال عبر ازدواجية الفواتير ثغرة بنيوية متجذّرة في المنظومة المصرفية الإماراتية. كان بمقدور أي تاجر تقديم الفاتورة ذاتها لأكثر من بنك في وقت واحد، والحصول على تمويل من كلٍّ منها دون أن يعلم أيٌّ منها بوجود الآخر. وقد تسبّب ذلك في أضرار فعلية — دفع بعض المؤسسات إلى الانسحاب من قطاعات عملاء بأكملها، وتحمّل قطاع تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة والاقتصاد الأوسع تبعات هذه الفجوة. لم يكن بإمكان أي بنك منفرداً حل هذه المعضلة. كان الحل يستلزم أن ترى جميع المؤسسات الصورة ذاتها في الوقت ذاته.
الجواب كان تقنية البيانات الموزعة توزع بشكل مشترك — لا تملك فيه جهة واحدة البيانات، لكن يحق لجميع الأطراف التحقق منها في الوقت الفعلي. تبقى البيانات في عقدة خاصة بكل بنك، ولا تُزامَن عبر الشبكة إلا نسخة مشفّرة ومجزّأة من الفاتورة. والنتائج تكلّمت بنفسها: في الأشهر الثمانية الأولى من التشغيل، أتمّت المنصة معالجة فواتير بقيمة 10 مليارات درهم. باتت البنوك تُدرج عملاء في القائمة السوداء، وتُقيّد حدود الائتمان، وتُحيل حالات اشتباه بالاحتيال إلى الجهات التنظيمية — ليس استناداً إلى مخاطر نظرية، بل لأن المنصة كانت ترصد حالات حقيقية وفعلية.
أُطلقت UAE Trade Connect تجارياً في أبريل 2021بمشاركة سبعة بنوك مؤسِّسة ودعم اتصالات الرقمية — التي باتت تُعرف اليوم بـ e& enterprise. كان بنك أبوظبي الأول من أبرز المحرّكين للمبادرة في بدايتها، غير أن حضوره البارز أفرز تحدياً سياسياً مبكراً. ففي صفته بوصفه أحد أكبر البنوك الإماراتية، كان ثمة خطر أن يُشعر الانخراط النشط لبنك أبوظبي الأول المؤسساتِ الأخرى بأنها تنضم إلى منصة تابعة لمنافس، لا إلى بنية تحتية محايدة مشتركة. وقد آثر البنك التراجع عن الصدارة — وهي خطوة مقصودة أسهمت في استقطاب ائتلاف أوسع، وعززت هوية المنصة بوصفها بنية تحتية وطنية مشتركة لا منتجاً خاصاً بمؤسسة بعينها.
نمت الشبكة بخطى ثابتة؛ انضمّ بنك دبي الإسلامي، ثم بنك أبوظبي التجاري، ثم بنك الإمارات العربية المتحدة في 2023. وبحلول مطلع 2024، كانت المنصة قد توسّعت لتضم 15 مؤسسة وأعادت تسمية نفسها هايفين، معلنةً طموحها في التمدد إلى مصر وتركيا وجنوب أفريقيا وما هو أبعد. لم يكن الشعار "بُنيت من البنوك وللبنوك" مجرد تسويق — بل عكس نموذج إبداع مشترك حقيقياً منح المنصة مصداقية راسخة في نظر أعضائها.
بيد أنه تحت الأرقام اللافتة، ظلّ توتر بنيوي دون حلّ — ولم يكن يوماً توتراً تكنولوجياً.
كانت هايفين دائماً مبادرة من القطاع الخاص. بنتها e& enterprise، وانضمت إليها البنوك طوعاً. وقد أبدى مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي دعمه للمنصة، معترفاً عند إطلاقها التجاريبأنها خطوة محورية نحو تعزيز الاستقرار المالي والنقدي والحدّ من مخاطر الاحتيال في التمويل التجاري.
غير أن هذا الدعم لم يرقَ إلى ما كان يمكن أن يجعل المنصة حقاً لا غنى عنها: تفويضاً تنظيمياً يُلزم جميع البنوك العاملة في التمويل التجاري في الإمارات المشاركة فيها.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
في غياب هذا التفويض، كان للمنصة سقف دائم. كان بإمكان أي تاجر يتعامل مع بنك خارج الاتحاد — إذ لم تنضم مؤسسات دولية كبرى كـ HSBC وسيتي بنك قط — تقديم الفاتورة ذاتها لأحد البنوك الأعضاء دون أن يُطلق أي إنذار. وكلما ظلّت بنوك أكثر خارج المنظومة، اتسعت تلك الفجوة، وأمكن لمخاطر الاحتيال أن تنتقل ببساطة إلى أطراف الشبكة.
أفرز ذلك تفاوتاً صامتاً يصعب تجاهله بمرور الوقت. بنوك داخل الاتحاد تتحمّل التكلفة الكاملة لتشغيل البنية التحتية، وبنوك خارجه لا تتحمّل شيئاً من تلك التكاليف، بينما يظل عملاؤها قادرين على استغلال الثغرات القائمة. كان الانضمام هو الخيار الصحيح لصون نزاهة منظومة التمويل التجاري في الإمارات — لكنه جاء بثمن لم يُضطر غير الأعضاء لدفعه قط. لم يكن المصرف المركزي لامبالياً تجاه المنصة، لكنه لم يُطلق الإشارة التي كانت الصناعة بأمسّ الحاجة إليها: إشارة تقول إن الانضمام إلى شبكة كشف الاحتيال في التمويل التجاري بالإمارات ليس خياراً اختيارياً.
شهدت هايفين في الأشهر الأخيرة مرحلة تحوّل واضحة. انتقل الرئيس التنفيذي المؤسس للمنصة إلى مرحلة جديدة — وهذا أمر طبيعي في مسيرة أي شركة، والمنصة أكبر من أي شخص بعينه.
الأكثر أهمية من منظور الصناعة هو الانسحاب الهادئ لعضوَين مؤسِّسَين: بنك رأس الخيمة الوطني وبنك الإمارات دبي الوطني — وكلاهما من بين البنوك السبعة الأولى التي بنت هذه المنصة من الصفر. لم يُدلِ أيٌّ منهما بتعليق علني، وهذا مفهوم. لكن انسحابهما يطرح تساؤلات تستحق الصناعة أجوبة عنها: هل كان قراراً تجارياً؟ رداً على هيكل التكاليف؟ أم غموضاً حول توجه المنصة في ظل إدارة e&؟ الإجابة مهمة — ليس لهايفين وحدها، بل لكل مبادرة بلوكشين قائمة على نموذج الاتحاد ستأتي بعدها في المنطقة.
تُعدّ مسيرة هايفين واحدة من أكثر دراسات الحالة إرشاداً التي أنتجها قطاع الفينتك الإماراتي — وواحدة من النماذج النادرة على مستوى العالم لتطبيق البلوكشين في القطاع المصرفي تجاوز مرحلة الاختبار ليصل إلى تشغيل تجاري فعلي بحجم حقيقي.
نجحت التقنية. كانت المشكلة حقيقية. وكان التنفيذ، لسنوات، لافتاً للإعجاب. ما عجزت المنصة عن حله منفردةً كان الاقتصاد السياسي المحيط بها: التردد في إلزام المشاركة، صعوبة الحفاظ على الالتزام المؤسسي حين يبدو معادل التكاليف غير متكافئ، وعقبة صون شبكة خاصة دون مرتكز تنظيمي كان سيجعلها ضرورة لا خياراً لكل بنك في المنظومة.
هايفين لا تزال تعمل، تستضيف 14 بنكاً تجارياً وإسلامياً وخمس شركات فينتك، وتحمل على موقعها الإلكتروني طموحات التوسع العالمي. ولم تُصدر e& حتى اليوم أي تصريح علني بشأن التوجهات المستقبلية للمنصة.
أملنا الصادق، بعد سنوات من متابعة هذا المشروع منذ كان فكرة حتى غدا أبرز تطبيق عملي للبلوكشين في القطاع المصرفي الإماراتي، هو أن تكون هذه لحظة إعادة معايرة — لا تراجعاً. المشكلة التي وُجدت هايفين لمعالجتها لم تختفِ. ومع تعزيز الإمارات مكانتها مركزاً عالمياً للتجارة والتمويل، باتت الحاجة إلى شبكة شاملة وموحّدة لكشف الاحتيال عبر جميع البنوك أشدّ إلحاحاً من أي وقت مضى.
نأمل أن يعود بنك رأس الخيمة الوطني وبنك الإمارات دبي الوطني إلى طاولة الشراكة. ونأمل أن يُدرك HSBC وسيتي والبنوك الدولية الأخرى التي لا تزال على الهامش أن غيابها يُضعف منظومة تخدم في نهاية المطاف عملاءها هي أيضاً. ونأمل أن يتأمل مصرف الإمارات المركزي ما إذا كان الوقت قد حان للانتقال من التأييد إلى الإلزام — وجعل المشاركة في بنية التمويل التجاري القائمة على البلوكشين في الإمارات متطلباً تنظيمياً لا خياراً اختيارياً.
أثبتت هايفين أن التقنية تعمل. المنظومة الآن مطالبة بإثبات أنها جادة في توظيفها.
اختيارات المحرر

العملات المستقرة في الإمارات: لماذا صُمِّمت للحركة وليس للبقاء محلياً؟
وليد أبو زكي
٢٨ فبراير ٢٠٢٦
8 دقيقة

المصرف المركزي الإماراتي يصدر بيانًا لحسم الجدل حول المادة 62
وليد أبو زكي
٢٥ فبراير ٢٠٢٦
5 دقيقة

ليتوانيا تواجه قطاع العملات الرقمية: هل خسرت ليتوانيا الابتكار لصالح الإمارات؟
سلمى نويهض
١٨ فبراير ٢٠٢٦
7 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

المصرف المركزي الإماراتي يسمح للبنوك باستضافة بيانات التعافي من الكوارث خارج الدولة على أساس كل حالة على حدة
وليد أبو زكي
١٢ مارس ٢٠٢٦
4 د

تأجيل مؤتمر TOKEN2049 في دبي وإلغاء فعالية Gateway في مايو
مكتب التحرير
١٤ مارس ٢٠٢٦
2 د

مشاريع قوانين أميركية جديدة لتنظيم الأوراق المالية الممثلة رقمياً
مكتب التحرير
٢٣ مارس ٢٠٢٦
3 د

بورصات نيويورك تُطبّق إزالة شاملة لحدود خيارات صناديق التداول الفورية
مكتب التحرير
٢٣ مارس ٢٠٢٦
3 د