رأي
مشاركة

وأ
الرئيس التنفيذي & رئيس التحرير
تبني الأصول الرقمية المؤسسي في الإمارات دخل مرحلة مفصلية. فالدولة نجحت في بناء جزء كبير من البنية التنظيمية والتشغيلية اللازمة للتوكنة، والحفظ، ومنتجات الأصول الرقمية، لكن النشر الفعلي على المستوى المؤسسي ما زال أبطأ من الإمكانات المتاحة. ما ينقص اليوم ليس إطاراً جديداً بقدر ما هو تفعيل أوضح يساعد صناديق التوكنة والمنتجات المخصصة للمستثمرين المحترفين على الانتقال من الإطار إلى التدفق الرأسمالي الفعلي.
هذا هو جوهر اللحظة الحالية.
فقد أعلنت مجموعة Apex Group، التي تدير أصولاً تتجاوز قيمتها 3.5 تريليون دولار عالمياً، اعتمادها بنية T-REX Ledger لتطوير البنية الخاصة بصناديق التوكنة، مع هدف للوصول إلى 100 مليار دولار من الأصول الممثلة رقمياً بحلول يونيو 2027. هذا الإعلان مهم لأنه يعكس قناعة متزايدة بأن البنية التحتية بدأت تنضج. لكنه في الوقت نفسه لا يعكس بعد سوقاً مؤسسية ناضجة على مستوى النشر الفعلي واسع النطاق. فهو إعلان عن قدرة، لا عن تدفق رأسمالي حي ومتكامل على الأرض.
الصورة نفسها تظهر في سلطة دبي للخدمات المالية داخل مركز دبي المالي العالمي. فقد استقطب برنامج Tokenization Regulatory Sandbox، الذي أُطلق في مارس 2025، 96 طلب اهتمام من جهات موزعة بين الإمارات والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا وسنغافورة وهونغ كونغ. وهذا رقم لا يمكن تجاهله. إنه دليل واضح على وجود شهية حقيقية لدى السوق، سواء من جهات تقليدية أو من لاعبين أصليين في عالم الأصول الرقمية. لكن الشهية ليست التنفيذ، والاهتمام ليس بالضرورة تدفقاً رأسمالياً فعلياً. السؤال الأهم اليوم ليس ما إذا كان هناك اهتمام بالتوكنة، بل لماذا لم نر بعد عدداً أكبر من مديري الثروات ومديري الأصول والمكاتب العائلية يطرحون فعلياً صناديق توكنة ومنتجات رقمية موجهة لعملائهم ضمن إطار استثماري مؤسسي واضح.
البنية التحتية موجودة.
لكن التفعيل لم يحصل بعد.
سبق أن أشارت تغطيات أنلوك بلوكتشين حول التمويل الكريبتو المتطور في الإمارات إلى هذه الفجوة مبكراً: فالبنية المتعلقة بالحفظ والمنصات والوسطاء كانت تتطور بوتيرة أسرع من تطور “الجسر” الذي يربط بين التمويل التقليدي والأصول الرقمية. ذلك الجسر هو طبقة إدارة الثروات، وإدارة الصناديق، والتوزيع المؤسسي.
وهذه الفجوة لم تُغلق. بل أصبحت أكثر وضوحاً.
فما الذي تغيّر منذ ذلك الحين؟
أولاً، تشير مبادرة توكنة العقارات في دبي إلى إمكانية وصول السوق إلى 60 مليار درهم بحلول عام 2033، بما يعادل 7% من إجمالي المعاملات العقارية في دبي.
ثانياً، أظهر برنامج التوكنة التجريبي التابع لسلطة دبي للخدمات المالية أن هناك طلباً حقيقياً من لاعبين تقليديين وآخرين من داخل قطاع الأصول الرقمية.
ثالثاً، لم تعد توكنة العقارات مجرد فكرة نظرية، بل انتقلت في دبي من مرحلة التصميم التجريبي إلى التنفيذ الفعلي في السوق من خلال مبادرات مدعومة من دائرة الأراضي والأملاك في دبي.
ورغم كل ذلك، ما زال مديرو الثروات التقليديون إلى حد كبير على الهامش.
لماذا؟ ليس لأن الإمارات تفتقر إلى أساس تنظيمي. المشكلة اليوم لم تعد في وجود الإطار من عدمه، بل في غياب الإشارة التنظيمية الواضحة التي تقول للسوق إن الصناديق والمنتجات الرقمية الموجهة للمستثمرين المحترفين يمكن أن تصبح جزءاً طبيعياً من إدارة المحافظ المهنية.
بمعنى آخر، لم تعد العقدة الأساسية هي “السماح” من حيث المبدأ، بل التفعيل، والتفسير، وبناء الثقة المؤسسية.
لأن النافذة مفتوحة الآن، وقد لا تبقى مفتوحة طويلاً.
سجلت دبي مبيعات عقارية بقيمة 66.8 مليار درهم في مايو 2025، بزيادة سنوية بلغت 44%، في مشهد يعكس استمرار التدفقات الدولية إلى السوق العقارية في الإمارة وسط حالة من عدم اليقين العالمي. في الوقت نفسه، من المتوقع أن ينمو سوق إدارة الثروات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من نحو 0.92 تريليون دولار في 2025 إلى 1.36 تريليون دولار بحلول 2031. رأس المال يتحرك، والثروة تتوسع، والمستثمرون يبحثون عن أسواق بديلة، وأصول بديلة، وقنوات توزيع جديدة.
لكن رغم كل ذلك، لا تزال الإمارات تفتقر إلى مسار مؤسسي واضح بما يكفي يربط هذه التدفقات بصناديق التوكنة والمنتجات الرقمية المخصصة للمستثمرين المحترفين عبر القنوات التقليدية لإدارة الثروات.
وهنا تكمن أهمية اللحظة.
فالبيئة التنظيمية في الإمارات تبدو بنّاءة في هذه المرحلة. فقد قامت هيئة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي بتحديث دفاتر القواعد الخاصة بالأنشطة خلال 2025 من أجل تعزيز نزاهة السوق والرقابة على المخاطر. كما أن برنامج التوكنة لدى سلطة دبي للخدمات المالية نشط بالفعل، فيما تحولت مبادرات دائرة الأراضي والأملاك من مرحلة التصور إلى مرحلة التنفيذ. وعلى مستوى أوسع، يواصل سوق أبوظبي العالمي تطوير بيئة جاذبة للمنتجات الرقمية والهياكل الاستثمارية المؤسسية.
كل هذه المؤشرات تعني أن النظام مفتوح للنمو المؤسسي في الأصول الرقمية.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
لكن الانفتاح لا يعني التفعيل.
والأفضلية التنافسية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد.
هذه ليست دعوة إلى تخفيف المعايير أو إلى تسريع الترخيص بشكل عشوائي. كما أنها ليست مطالبة بإعفاءات ضريبية أو حوافز شكلية. ما تحتاجه السوق الآن هو ثلاث خطوات تنظيمية عملية تنقل الأصول الرقمية من البنية إلى التدفق، ومن الإتاحة إلى الاستخدام المؤسسي الحقيقي.
يحتاج مديرو الأصول والصناديق العاملون ضمن المراكز المالية في الإمارات إلى توجيه أوضح بشأن كيفية هيكلة صناديق التوكنة وغيرها من المنتجات الرقمية الموزعة على المستثمرين المحترفين، وكيفية حفظها، وتقييمها، وإعداد التقارير الخاصة بها.
المسألة هنا ليست اختراع تشريعات جديدة بالكامل، بل تفسير أوضح للإطار الموجود بالفعل.
على مديري الثروات أن يسمعوا من الجهات التنظيمية بوضوح أن هذا المسار موجود، وما هي معاييره، وما الذي يمكنهم الاعتماد عليه فعلاً. فالسوق لا تحتاج فقط إلى الإذن، بل إلى رسالة تنظيمية واضحة تقول: هذا ممكن، وهذا هو شكل الامتثال، وهذه هي القواعد التي ستحكم العمل.
التباين بين هيئة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي وسوق أبوظبي العالمي ومركز دبي المالي العالمي ليس مشكلة في حد ذاته، لأنه يعكس تعددية الأطر داخل الإمارات. لكن ما تحتاجه السوق اليوم هو قدر أكبر من الاتساق العملي في قضايا مثل الحفظ المقبول، وإجراءات الضبط والرقابة، ومتطلبات التقارير.
فمدير الأصول الذي يتعامل مع أمين حفظ مؤسسي موثوق يجب ألا يواجه تفسيرات مختلفة جذرياً للمفاهيم الأساسية نفسها كلما انتقل بين ولاية تنظيمية وأخرى.
في هذه المرحلة، قد يكون الاتساق العملي أكثر أهمية من الكمال التنظيمي النظري.
إذا اشترى مكتب عائلي صندوقاً عقارياً ممثل رقمياً، هل يمكن نقل هذا الأصل؟ هل يمكن رهنه؟ هل يمكن تمويله أو استخدامه ضمن هياكل تمويل مضمونة مستقبلاً؟
هذه ليست أسئلة تقنية هامشية. إنها أسئلة تحدد ما إذا كانت المؤسسات ستتعامل مع المنتج الممثل رقمياً بوصفه أداة استثمارية جدية، أم مجرد تجربة مبتكرة لكنها محدودة الاستخدام.
والإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن تسبق النشر المؤسسي واسع النطاق، لا أن تأتي بعده.
هنا تأتي أهمية تعليق مجموعة أيبيكس، لأنه يضيف طبقة من الواقعية إلى النقاش. فبحسب كريستيان الهبر، المدير الإقليمي التنفيذي لمجموعةأيبيكسفي الشرق الأوسط:“الإمارات أنجزت العمل الأصعب على مستوى البنية التنظيمية، لكن عنق الزجاجة اليوم هو الثقة المؤسسية. الجميع يريد التعرض للأصول الممثلة رقمياً، لكن تكوين رأس المال يحتاج إلى أكثر من مجرد القدرة؛ إنه يحتاج إلى قناعة. كما أن التوكنة ليست شجرة مال سحرية، فلفّ أصل ضعيف بتقنية البلوكشين لا يجعله قابلاً للاستثمار. الأصل الأساسي نفسه يجب أن يكون سليماً. واليوم، تتحرك الصناعة أسرع على مستوى الإعلانات منها على مستوى المنتجات الحية واسعة النطاق المبنية على أسس متينة. كما أن أطر الحفظ ونهائية التسوية وإدارة الصناديق يجب أن تنضج معاً، لأن المؤسسات لن تلتزم على نطاق واسع ما لم تتمكن من اختبار كامل المنظومة، لا مجرد التكنولوجيا التي تتصدر العناوين.”
هذا الاقتباس يختصر جوهر التحدي.
فالمشكلة لم تعد في إثبات أن التوكنة ممكنة. المشكلة أصبحت في إثبات أن المنتج الناتج عنها قابل للدفاع عنه أمام لجان الاستثمار، وقابل للقياس والتقييم والحفظ والتسوية، وقابل للصمود قانونياً وتشغيلياً إذا تعرض لاختبار حقيقي.
لقد بنت الإمارات خلال السنوات الماضية أكثر من معظم الولايات القضائية المنافسة في مجال الأصول الرقمية. لديها الجهات التنظيمية، والمراكز المالية، والطموح السياسي، وحالات الاستخدام التي تتبلور تدريجياً. ما ينقصها اليوم ليس الإطار، بل الجسر بين الإطار والتدفق.
لقد بنت الإمارات الملعب.
نصبت الأضواء.
وكتبت القواعد.
والآن، عليها أن تدعو الفرق إلى اللعب.
فالشهية المؤسسية موجودة، لكن رأس المال القابل للنشر ما زال يفتقر إلى مسار واضح بما يكفي. وما يحتاجه السوق ليس جولة جديدة من الرسائل العامة، بل تفعيل تنظيمي حقيقي: إشارة واضحة إلى أن السوق مفتوح، وأن القواعد قابلة للتفسير العملي، وأن المعايير التشغيلية يمكن الاعتماد عليها، وأن الوقت قد حان كي تتحرك المؤسسات.
وهنا يكمن السؤال الحقيقي: ليس ما إذا كانت الإمارات قادرة على تنظيم الأصول الرقمية.
بل ما إذا كانت قادرة على تفعيلها.




اختيارات المحرر

بيتكوين والهاشريت: لماذا ستكشف أسعار الطاقة المرتفعة من هم الناجون الحقيقيون في التعدين
وليد أبو زكي
٢٦ مارس ٢٠٢٦
7 دقيقة

العملات المستقرة في الإمارات: لماذا صُمِّمت للحركة وليس للبقاء محلياً؟
وليد أبو زكي
٢٨ فبراير ٢٠٢٦
8 دقيقة

المصرف المركزي الإماراتي يصدر بيانًا لحسم الجدل حول المادة 62
وليد أبو زكي
٢٥ فبراير ٢٠٢٦
5 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

"ريلم" تنضم رسميًا إلى سوق الأصول الرقمية المنظم بترخيص من VARA
مكتب التحرير
٢٦ مارس ٢٠٢٦
4 د

هايفين في الإمارات: منصة تمويل تجاري نجحت — ومنظومة لم تكن مستعدة
وليد أبو زكي
٢٣ مارس ٢٠٢٦
7 د

بيتكوين والهاشريت: لماذا ستكشف أسعار الطاقة المرتفعة من هم الناجون الحقيقيون في التعدين
وليد أبو زكي
٢٦ مارس ٢٠٢٦
7 د

"إيفرنورث" تقدّم طلبًا للاكتتاب العام بخزينة XRP تتجاوز المليار دولار
مكتب التحرير
١٩ مارس ٢٠٢٦
2 د