تبنّي مؤسسي
مشاركة
حذّرت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في 40% من الوظائف عالمياً، وترتفع النسبة إلى 60% في الاقتصادات المتقدمة.
تسهم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في دعم النمو الاقتصادي العالمي رغم صدمة أسعار الطاقة، لكنها في الوقت نفسه قد تعيد تشكيل سوق العمل وتؤثر في فرص التوظيف لملايين الأشخاص. ومن المتوقع أن يكون الشباب الداخلون حديثاً إلى سوق العمل من بين الفئات الأكثر عرضة لهذه الاضطرابات، وفقاً لتحذيرات كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي.
وخلال كلمة ألقتها يوم الاثنين في بانكوك، ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وصفت غورغييفا الذكاء الاصطناعي بأنه «تسونامي بطيء الحركة»، مشيرة إلى أنه قد يؤثر في نحو 40% من الوظائف حول العالم، وترتفع هذه النسبة إلى قرابة 60% في الاقتصادات المتقدمة. وفي المقابل، يُقدّر معدل تأثر الوظائف في البلدان منخفضة الدخل بنحو 23%، في ظل محدودية تبني هذه التكنولوجيا نسبياً.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت يدعم فيه الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي النشاط الاقتصادي العالمي، رغم الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية. وبذلك، تتزايد أهمية الموازنة بين المكاسب الإنتاجية التي توفرها التكنولوجيا والتحديات التي تفرضها على أسواق العمل والمالية العامة.
من المتوقع أن يبلغ نمو الاقتصاد العالمي نحو 3.1% في عام 2026، وفقاً لتوقعات صندوق النقد الدولي الصادرة في أكتوبر، مقارنة بنحو 3.5% في عام 2025. وفي هذا السياق، أشارت غورغييفا إلى أن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي يسهم في دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على النمو، رغم التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط وصدمة الطاقة الناجمة عنها.
ومع ذلك، لا تتوزع هذه المكاسب بالتساوي بين الاقتصادات؛ إذ تستفيد الدول الآسيوية المنتجة لأشباه الموصلات والمعدات الأساسية لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي من موجة الاستثمار، بفضل موقعها في سلاسل الإمداد العالمية المرتبطة بهذه التكنولوجيا.
ووفقاً لتقديرات غورغييفا، قد يضيف التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي ما بين 0.5 و1 نقطة مئوية إلى معدل النمو السنوي في الاقتصادات المتقدمة، بينما قد تتراوح المكاسب في الأسواق الناشئة بين 0.2 و0.8 نقطة مئوية. وإذا تحققت التقديرات الأعلى، فقد تساعد هذه الزيادة في الإنتاجية على تعويض بعض التداعيات الاقتصادية الناجمة عن شيخوخة السكان في أجزاء من آسيا.
وقد أظهر تحديث آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن الصندوق في يوليو أداءً أقوى من المتوقع لدى عدد من الاقتصادات الآسيوية المصدّرة لمعدات الذكاء الاصطناعي، بما فيها تايوان وكوريا الجنوبية وتايلاند وماليزيا. وتجاوز نمو هذه الاقتصادات توقعات الصندوق للربع الأول بمتوسط بلغ 4.4% على أساس سنوي، فيما سجلت كوريا الجنوبية نمواً سنوياً بلغ 7.5%، مقارنة بتوقعات سابقة في أبريل أشارت إلى 1.8%.
وفي كلمة ألقتها في سنغافورة الأسبوع الماضي، أشارت غورغييفا إلى أن الأجهزة والمنتجات التقنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي باتت تمثل أكثر من 10% من تجارة السلع العالمية. كما لفتت إلى أن حجم الاستثمار في هذه التكنولوجيا، مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي العالمي، قد يتجاوز في نهاية المطاف الإنفاق التاريخي المخصص لتطوير السكك الحديدية أو شبكات الكهرباء.
لكن هذا التوسع قد يفاقم الفجوة بين الدول القادرة على إنتاج تقنيات الذكاء الاصطناعي وتلك التي تقتصر على استهلاكها. فالدول التي تفتقر إلى البنية التحتية الرقمية والمهارات المتخصصة والقدرة الاستثمارية قد تجد صعوبة في الاستفادة من المكاسب الإنتاجية، ما يزيد مخاطر اتساع التفاوت الاقتصادي عالمياً.
يمثل مستقبل التوظيف أحد أبرز التحديات المرتبطة بالتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي. فقد حذرت غورغييفا من أن هذه التكنولوجيا قد تغير طبيعة المهام أو تلغي بعضها في نحو 40% من الوظائف عالمياً، مع ارتفاع النسبة إلى قرابة 60% في الاقتصادات المتقدمة.
ومن المرجح أن يواجه الشباب الداخلون حديثاً إلى سوق العمل ضغوطاً خاصة، لأن العديد من الوظائف المخصصة للمبتدئين تعتمد على مهام روتينية باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تنفيذها بكفاءة متزايدة. وقد يؤدي ذلك إلى تراجع فرص التوظيف الأولية، ويصعّب على الخريجين اكتساب الخبرة العملية اللازمة للتقدم في مساراتهم المهنية.
وفي السياق ذاته، أشار رئيس سنغافورة، ثارمان شانموجاراتنام، الذي شارك في النقاشات المرتبطة بهذه القضية، إلى أن الطلب على الوظائف الأولى للخريجين يشهد تراجعاً بالفعل. وحذّر من أن الذكاء الاصطناعي قد يوسع الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية ما لم تتخذ الحكومات خطوات استباقية لمعالجة آثاره على سوق العمل.
ومع ذلك، لا تعني تقديرات صندوق النقد الدولي أن جميع الوظائف المعرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي ستختفي؛ فهي تقيس مدى تعرض المهام للتغيير بفعل التكنولوجيا، وليس حجم الوظائف التي ستُلغى حتماً. وسيعتمد الأثر النهائي على كيفية دمج الشركات لهذه الأنظمة في عملياتها، والمهام التي ستخضع للأتمتة، والوظائف الجديدة التي قد تنشأ بالتزامن مع هذا التحول.
لذلك، لن يقتصر التحدي على حماية الوظائف القائمة، بل سيمتد إلى تطوير أنظمة التعليم والتدريب المهني بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل المتغيرة. كما ستزداد أهمية المهارات التي يصعب أتمتتها بالكامل، مثل التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتواصل، والقدرة على التكيف مع الأدوات الجديدة.
لا تقتصر التداعيات المحتملة للذكاء الاصطناعي على سوق العمل، بل قد تمتد إلى المالية العامة. فقد حذرت غورغييفا من احتمال تراجع الإيرادات الحكومية إذا أدى استخدام التكنولوجيا إلى تحويل حصة أكبر من الدخل من العمال إلى أصحاب رأس المال.
وتنبع أهمية هذا الاحتمال من اعتماد الحكومات على الضرائب المرتبطة بالأجور والتوظيف لتمويل الخدمات العامة. فإذا أدت الأتمتة إلى تقليص دخل العاملين أو خفض حصة العمل من إجمالي الدخل، فقد تتراجع بعض الإيرادات الضريبية حتى مع ارتفاع الإنتاجية وزيادة أرباح الشركات.
وتواجه الاقتصادات النامية تحدياً أكبر في هذا المجال، إذ قد تحد محدودية الوصول إلى التكنولوجيا والمهارات الرقمية من قدرتها على الاستفادة من مكاسب الإنتاجية، في حين تفتقر حكومات كثيرة إلى الموارد المالية اللازمة لدعم العمال المتضررين وتمويل برامج إعادة التأهيل المهني.
وفي هذا الإطار، قال رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، إن المؤسسة تدعم تطوير أدوات ذكاء اصطناعي أصغر حجماً لا تعتمد بالضرورة على النماذج اللغوية الكبيرة، بهدف توفير حلول عملية قابلة للتطبيق في مجالات مثل الزراعة والرعاية الصحية والتعليم، مع التركيز على احتياجات الأسواق الناشئة.
وقد يساعد هذا التوجه على توسيع نطاق الاستفادة من الذكاء الاصطناعي من دون اشتراط امتلاك بنية تحتية حاسوبية ضخمة أو استثمارات مرتفعة، بما يتيح للدول الأقل تقدماً تحقيق مكاسب إنتاجية تتناسب مع احتياجاتها ومواردها.
يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى قطاع العملات الرقمية، حيث تتقاطع تطبيقاته مع تحليل معاملات البلوكتشين، ومراقبة المخاطر، واكتشاف الاحتيال، وأتمتة بعض العمليات المالية. ويمكن لخوارزميات التعلم الآلي تحليل كميات كبيرة من بيانات المعاملات وتحديد الأنماط غير المعتادة، بما يساعد المؤسسات المالية وشركات تحليل البلوكتشين على رصد الأنشطة المشبوهة وتعزيز إجراءات مكافحة غسل الأموال.
وفي المقابل، يستغل المحتالون قدرات الذكاء الاصطناعي لتطوير أساليب احتيال أكثر إقناعاً، تشمل انتحال الشخصيات، والتزييف العميق، والرسائل المصممة لاستهداف الضحايا، فضلاً عن الترويج لمنصات استثمار رقمية وهمية. ووفقاً لتقرير شركة «تشيناليسيس» (Chainalysis) الصادر في يناير 2026، تشير تقديرات الشركة إلى أن عمليات الاحتيال المرتبطة بالعملات الرقمية ربما تسببت في خسائر تجاوزت 17 مليار دولار خلال عام 2025، كما كانت عمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي أكثر ربحية بنحو 4.5 مرات من نظيراتها التقليدية.
وفي المقابل، يمكن توظيف التكنولوجيا نفسها لتحسين أنظمة الكشف عن الاحتيال ومراقبة المعاملات. وقد تناول بنك التسويات الدولية في أبحاثه إمكانات الذكاء الاصطناعي في تطوير أنظمة المدفوعات وتعزيز الرقابة المالية، بما في ذلك استخدام التعلم الآلي لاكتشاف الأنماط المرتبطة بغسل الأموال.
وتعكس هذه التطورات مسارين متوازيين في قطاع الأصول الرقمية: فمن جهة، قد يسهم الذكاء الاصطناعي في رفع كفاءة تحليل البيانات وتحسين إدارة المخاطر؛ ومن جهة أخرى، يفرض تحديات أمنية وتنظيمية جديدة مع تطور أدوات الاحتيال وأتمتة بعض الأنشطة غير المشروعة. ولذلك، ستتوقف الاستفادة من هذه التقنيات على قدرة المؤسسات على الجمع بين الابتكار والرقابة الفعالة وحماية المستخدمين.
تكشف التحذيرات الصادرة عن صندوق النقد الدولي أن نجاح الذكاء الاصطناعي لا يمكن قياسه بالنمو الاقتصادي وحده، بل يتطلب أيضاً النظر في كيفية توزيع مكاسبه بين الشركات والعمال والدول. فارتفاع الإنتاجية قد يدعم الأرباح والاستثمارات، لكنه لا يضمن تلقائياً خلق وظائف كافية أو تحسين مستويات الدخل لجميع الفئات.
وتزداد هذه المعادلة تعقيداً مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات المالية والرقمية، بما فيها العملات الرقمية وتقنيات البلوكتشين، حيث يمكن للتكنولوجيا أن تحسن الكفاءة وتخفض بعض التكاليف، لكنها قد تزيد أيضاً المخاطر المرتبطة بالاحتيال والأمن السيبراني وتراجع الطلب على بعض المهارات التقليدية.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومات والشركات لا يتمثل في إبطاء التطور التكنولوجي، بل في إدارة التحول بطريقة تضمن انتقال مكاسب الإنتاجية إلى الاقتصاد الأوسع. ويتطلب ذلك الاستثمار في التدريب المستمر، وتحديث سياسات التعليم والضرائب، وتوسيع الوصول إلى البنية التحتية الرقمية، إلى جانب وضع ضوابط فعالة للاستخدامات عالية المخاطر.
وفي نهاية المطاف، قد تتحدد الفجوة الاقتصادية المقبلة ليس فقط بمدى امتلاك الدول والشركات لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بل بقدرتها على تحويلها إلى نمو مستدام وفرص عمل جديدة. فالتكنولوجيا التي تمنح الاقتصادات ميزة تنافسية قد تتحول، في غياب سياسات التكيف المناسبة، إلى عامل يوسع التفاوت ويضعف فرص الأجيال الجديدة في دخول سوق العمل.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
اختيارات المحرر

"نظام مالي واحد": تمويل أو كي أكس ورهان التكامل المالي
وليد أبو زكي
٨ أكتوبر ٢٠٢٦
6 دقيقة

حين تتحرّك الأصول أو تتوقف من دون إذن: حدود التحكم في المحافظ الرقمية
وليد أبو زكي
٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦
6 دقيقة

احتياطيات العملات المستقرة في الإمارات: أين توجد الدولارات فعلياً؟
انا ماريا قشوع
٢١ سبتمبر ٢٠٢٦
9 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

كراكن تحصل على الموافقة النهائية من VARA لإطلاق خدمات العملات الرقمية في الإمارات
مكتب التحرير
١٢ أكتوبر ٢٠٢٦
4 د

ويلز فارغو يسعى إلى تعزيز سيولة الأصول الرقمية عبر باي وارد
مكتب التحرير
٨ أكتوبر ٢٠٢٦
5 د

صندوق النقد الدولي يرصد تنامي الطلب على تداول الأسهم الممثلة رقمياً على مدار الساعة
سلمى نويهض
٨ أكتوبر ٢٠٢٦
6 د

صندوق النقد يمهّد لصرف 139 مليون دولار للسلفادور بعد خرق متعلق ببيتكوين
مكتب التحرير
٢ أكتوبر ٢٠٢٦
4 د



