الموجة الأولى للعملات المستقرة في الإمارات: الدروس الحقيقية للسوق
رؤى مستقاة من اجتماع طاولة مستديرة مغلق حول المدفوعات، والمثيل الرقمي، والعملات الرقمية في الإمارات

لقد حققت الإمارات العربية المتحدة تقدماً أسرع من العديد من الأسواق العالمية في مجال العملات المستقرة الخاضعة للتنظيم، إلا أن السرعة وحدها لا تضمن الوضوح الكامل. خلال العام الماضي، انتقلت الدولة من مجرد الإعلان عن إطار عمل رسمي للعملات الرقمية إلى إطلاق أولى عملاتها المستقرة المدعومة بالدرهم الإماراتي، إلى جانب مبادرات مصرفية إضافية وعملات مستقرة خارجية. بالتوازي مع ذلك، تسارعت مشاريع التوكنة في قطاعات العقارات، وتمويل التجارة، والسلع، والصناديق الاستثمارية، وغالباً ما تعتمد على أموال موجودة على شبكة البلوكتشين كطبقة تسوية.
ولتقييم ما تحقق فعلياً ومواطن الخلل المتبقية، عقدت منصة “أنلوك بلوك تشين” اجتماعًا مغلقًا على طاولة مستديرة خلال أسبوع أبوظبي المالي وفق قواعد تشاتام هاوس. شارك في النقاش جهات تنظيمية، ومستشارون قانونيون، وشركات الدفع، ومنصات التوكنة، ومزودو البنية التحتية، والجهات المؤسسية الفاعلة. لم يكن الهدف احتفالاً بالنجاح، بل تقييم الواقع الحالي. وكانت النتيجة واضحة: لم تعد العملات المستقرة مجرد نقاش نظري، ولكن دورها وحجمها وهيكلها لا يزالان محل نقاش نشط.
الموجة الأولى: مصممة للاختبار لا للتوسع
اتفق المشاركون على أن الموجة الأولى من العملات المستقرة في الإمارات يجب فهمها كتجربة أولية وليست إطلاقاً واسعاً. الهدف الأساسي كان اختبار الأطر التنظيمية، ونماذج الحوكمة، وهياكل الاحتياطيات، وترتيبات الحفظ، والخيارات التقنية في بيئة محكمة.
مع ذلك، لم يُنقل هذا التمييز دائمًا إلى السوق بشكل واضح. فقد خلقت الإعلانات العامة توقعات بالاستخدام الفوري، بينما بقي الوصول محدودًا عمليًا، واعتمدت بعض عمليات النشر على بنى بلوك تشين خاصة أو مرخّصة. بالنسبة للعديد من المراقبين، أعطى هذا الانطباع بأن العملات المستقرة “أُطلقت” دون أن تكون جاهزة للاستخدام.
لم تكن المشكلة تقنية، بل تتعلق بعدم توافق التوقعات. فقد تم التعامل مع المنتجات التجريبية على أنها أدوات استهلاكية جاهزة، وبدون رسائل واضحة حول النطاق والقيود، ساد الارتباك.
كم عدد العملات المستقرة المدعومة بالدرهم الإماراتي التي يحتاجها السوق فعليًا؟
مع دخول المزيد من العملات المستقرة المدعومة بالدرهم الإماراتي السوق، برز سؤال جوهري: هل تحتاج الإمارات إلى عملات مستقرة متعددة إلى جانب عملة رقمية للبنك المركزي؟
الرأي السائد عملي: ليس من المتوقع أن تستمر جميع العملات المستقرة، فالسوق يختبر نماذج إصدار وحالات استخدام مختلفة لتحديد الأنسب. بعض العملات مخصصة للمدفوعات اليومية، وبعضها لتسوية المعاملات بالجملة، وإدارة الخزينة، أو تمويل التجارة.
كما أوضح المشاركون أن العملات المستقرة والعملات الرقمية للبنوك المركزية ليستا متنافستين. الأولى مصممة لتكون أدوات تجارية قابلة للبرمجة، والثانية وسيلة تسوية للبنوك والمعاملات عالية القيمة. الخطر الحقيقي يكمن في تشتت السيولة وتشعب طبقات التشغيل، مما قد يعقد عمليات الدمج والتكامل.
المدفوعات والتجارة والخزينة: مجالات عمل العملات المستقرة
بينما يركز الحديث العام على المدفوعات الاستهلاكية، أشارت المائدة المستديرة إلى مدفوعات الشركات، وتمويل التجارة، وتدفقات الخزينة كأكثر المجالات جدوى للعملات المستقرة.
لا تُستخدم العملات المستقرة كأدوات مضاربة، بل كوسائل تسوية فعّالة داخل أنظمة تجارية مغلقة، مما يحسن سرعة التسوية، ويُعزز إدارة السيولة، ويقلل الاعتماد على القيود المصرفية التقليدية. على النقيض، يبقى تبني التجزئة مشروطًا بالحوافز الواضحة وتقليل العوائق، لأن المستهلكين يفضلون بساطة وسرعة الدفع على التعقيدات التقنية.
الأصول المُمثلة رقمياً والعملات الرقمية ليستا متطابقتين
أبرزت النقاشات الخلط المستمر بين الأصول المُمثلة رقمياً (عقارات، مستحقات، صناديق، سلع، ائتمان خاص) والعملات المُمثلة رقمياً (مثل العملات المستقرة والعملات الرقمية للبنوك المركزية).
الأول أداة استثمارية، والثاني وسيلة نقل وتسوية للقيمة. تمثيل الأصول رقمياً دون وجود طبقة تسوية فعّالة يؤدي إلى تعقيدات، بينما تُستخدم العملات المستقرة كأدوات تمكين للسيولة والتكامل على شبكة البلوكتشين.
العائق الحقيقي: كيف يتحدث المُطورون مع الجهات التنظيمية؟
أشار المشاركون إلى أن التحدي ليس التكنولوجيا نفسها، بل كيفية تواصل المطورين مع الجهات التنظيمية.
الجهات التنظيمية تهتم بالسلطة، والسيادة، والاستقرار النظامي، بينما يركز المبتكرون على السرعة والتغيير الجذري. الفجوة بين التوجهين تحتاج إلى التثقيف والتعاون والتجربة العملية، وليس المواقف الأيديولوجية.
الامتثال والشفافية والتحول نحو الرقابة على شبكة البلوكتشين
برزت المخاوف المتعلقة بغسل الأموال والجرائم المالية، لكن النقاش أظهر أن أنظمة شبكة البلوكتشين توفر شفافية غير مسبوقة. يمكن تتبع المعاملات في الوقت الفعلي، ما يغير نموذج الإنفاذ التقليدي ويعزز الرقابة المباشرة على التدفقات المالية.
ما كشفته الموجة الأولى فعليًا
الموجة الأولى لم تسفر عن إجابات نهائية، لكنها أوضحت الوضع الحقيقي للسوق: الإمارات أرست الأسس القانونية والتشغيلية، والمرحلة التالية ستحدد ما إذا كانت هذه الأدوات ستصبح بنية تحتية مالية أساسية أم مجرد تجارب محدودة.
كلمة ختامية
تتقدم “Unlock Blockchain” بالشكر لشركة “Karm Legal Consultants” وشبكة “XDC Network” لدعمهم عقد الجلسة النقاشية، والتي جمعت مختلف الجهات التنظيمية، والمدفوعات، والتمثيل الرقمي، والاستشارات القانونية، والتمويل المؤسسي، والبنية التحتية الرقمية.
رغم اختلاف وجهات النظر، اتفق المشاركون على أن العملات المستقرة والتمثيل الرقمي أصبحت عنصرًا أساسيًا في البنية المالية للإمارات والمنطقة، شريطة مواءمة الابتكار مع وضوح الأنظمة، والجدوى العملية، والثقة المؤسسية. والسؤال الآن ليس ما إذا كانت العملات المستقرة ستلعب دورًا، بل ما هو الدور الذي يُفترض أن تؤديه في نهاية المطاف.




