قطر توسّع مبادرة “صندوق الصناديق” لتعزيز استثمارات البلوكتشين ورأس المال الاستثماري

برزت تقنية البلوكتشين بشكل متزايد كإحدى الركائز الأساسية التي تُشكّل مستقبل التمويل العالمي، والبنية التحتية الرقمية، والاستثمار العابر للحدود. فإلى جانب العملات الرقمية، باتت البلوكتشين عنصرًا محوريًا في الابتكارات المرتبطة بالتكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي، وأمن البيانات، وأنظمة المؤسسات، ما يجعلها محورًا استراتيجيًا للحكومات والمستثمرين السياديين الساعين إلى تنويع اقتصادي طويل الأجل. ومع احتدام المنافسة بين الدول على استقطاب رؤوس الأموال عالية القيمة والخبرات التقنية، أصبحت البلوكتشين مؤشرًا رئيسيًا على وجود بيئات استثمارية متقدمة وجاهزة للمستقبل.
في هذا السياق، تُعزّز قطر مكانتها كمركز إقليمي لتقنيات الجيل القادم من خلال التوسع المستمر لبرنامج صناديق الصناديق التابع لجهاز قطر للاستثمار. وقد أكد الرئيس التنفيذي للجهاز، “محمد سيف السويدي”، أن توسيع البرنامج، إلى جانب تخصيص ملياري دولار إضافية من التمويل، يُبرز جاذبية دولة قطر المتزايدة كوجهة لرؤوس الأموال العالمية، ولا سيما في قطاع رأس المال الاستثماري المتقدم. ولا يقتصر دور هذه الشركات على ضخ الاستثمارات المالية فحسب، بل يشمل أيضًا نقل الخبرات وبناء القدرات، ودعم تطوير المشاريع المحلية الواعدة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة.
وكان معالي رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني قد أعلن سابقًا عن تمويل إضافي للبرنامج، لترتفع بذلك القيمة الإجمالية لرأس المال المخصص لبرنامج صناديق الصناديق إلى 3 مليارات دولار. ويعكس حجم هذا الالتزام المالي استراتيجية قطر طويلة الأمد لبناء اقتصاد قوي قائم على الابتكار، يرتكز على التكنولوجيا وريادة الأعمال والانفتاح على الأسواق العالمية.
وفي إطار هذا التوسع، أكد جهاز قطر للاستثمار انضمام خمسة صناديق جديدة لرأس المال المخاطر إلى برنامج صناديق الصناديق. وتغطي هذه الصناديق مجالات استراتيجية تشمل الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، وتقنية البلوكتشين، والبنية التحتية، والفرص الاستثمارية الخاصة. ومع هذه الإضافات، بات البرنامج يدعم 12 مديرًا إقليميًا ودوليًا لصناديق الاستثمار العاملة في قطر، ما يسلّط الضوء على النمو المتسارع لمنظومة الشركات الناشئة في البلاد، وتعاظم ارتباطها بالأسواق العالمية.
ووفقًا للسويدي، تدير الصناديق الجديدة مجتمعةً أصولًا تُقدَّر بنحو 10 مليارات دولار، وتسهم مشاركتها في تحقيق هدف جهاز قطر للاستثمار المتمثل في ترسيخ مكانة قطر كمركز إقليمي لخبرات رأس المال المخاطر. وأشار إلى أن الدوحة أصبحت أول مكتب دولي للعديد من هذه الصناديق، حيث يشجّع مديروها شركات محافظهم الاستثمارية على إنشاء مقرات إقليمية في العاصمة القطرية، بما يعزّز موقع الدوحة كمحور لرواد الأعمال والشركات التقنية.
ومن بين أحدث الصناديق المنضمة إلى البرنامج، شركة “غريكروفت”، وهي شركة رأس مال مخاطر متعددة المراحل تأسست عام 2006، وتركّز على البرمجيات والاستدامة والعلامات التجارية الاستهلاكية. وتدير “غريكروفت” أصولًا تتجاوز قيمتها 4 مليارات دولار، ونفذت أكثر من 400 استثمار حول العالم. كما انضمت شركة آيون باسيفيك إلى المبادرة، مقدّمة خبرتها في الاستثمارات الثانوية المهيكلة والحالات الخاصة، مع أصول مُدارة تبلغ نحو 700 مليون دولار، ولها مكاتب في لوس أنجلوس ونيويورك وزيورخ والدوحة وهونغ كونغ.
ولا يزال الاستثمار في تقنية البلوكتشين يشكّل ركيزة أساسية ضمن البرنامج. إذ تتخصص شركة ليبرتي سيتي فنتشرز، وهي صندوق رأس مال مخاطر وحاضنة أعمال رائدة بأصول مُدارة تبلغ 2.4 مليار دولار، في دعم الشركات التي تطوّر حلول البلوكتشين في مجالات الخدمات المالية، والذكاء الاصطناعي، والبيانات، والبنية التحتية. ويعكس انضمام هذا الصندوق التزام قطر بدعم البلوكتشين كعنصر جوهري في الأنظمة المالية والرقمية المستقبلية.
كما رحّب البرنامج بانضمام شركة شروق، وهي شركة استثمارية متعددة الاستراتيجيات تركّز على التكنولوجيا، وتتخذ من دول مجلس التعاون الخليجي مقرًا لها، وتعمل في مجالات رأس المال المخاطر، والأسهم الخاصة، والائتمان، والأصول الحقيقية. كذلك انضمت شركة سبيد إنفست، وهي شركة أوروبية لرأس المال المخاطر تدير أصولًا تتجاوز 1.2 مليار يورو، وتدعم مؤسسي الشركات الناشئة من مرحلة ما قبل التأسيس وحتى النمو في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.
وبالتوازي، أعلن جهاز قطر للاستثمار وبنك قطر للتنمية عن شراكة لتوفير قدرات حوسبية متقدمة للشركات الناشئة المشاركة في البرنامج. وستتولى شركة كاي، وهي شركة قطرية حديثة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، توفير موارد الحوسبة، مع تركيزها على تطوير والاستثمار في البنية التحتية والأنظمة المتقدمة للذكاء الاصطناعي. وتهدف هذه المبادرة إلى دعم الشركات العاملة في مجالات البلوكتشين، والذكاء الاصطناعي، ومعالجة البيانات المكثفة، من خلال معالجة أحد أبرز التحديات التشغيلية التي تواجه شركات التكنولوجيا الناشئة.
يُذكر أن برنامج صناديق الصناديق التابع لجهاز قطر للاستثمار، والذي أُطلق خلال قمة الويب 2024، خصّص حتى الآن أكثر من مليار دولار أميركي لشركات رأس المال المخاطر الرائدة. ومن خلال توسيع الوصول إلى رأس المال، واستقطاب المواهب العالمية في قطاع الاستثمار الجريء، وإعطاء الأولوية للتقنيات المتقدمة مثل البلوكتشين والذكاء الاصطناعي، يضطلع البرنامج بدور محوري في تشكيل مشهد رأس المال الاستثماري في قطر، وتعزيز موقعها ضمن الاقتصاد العالمي القائم على الابتكار.




