أخبار المنطقةإختيار المحرر

استراتيجية USDU الهادئة: لماذا يتوجهون إلى الجهات التنظيمية لا إلى الأسواق

لحظة مزدحمة لسوق العملات المستقرة في الإمارات

تدخل دولة الإمارات مرحلة حاسمة في مسارها مع العملات المستقرة، إذ تشهد هذه الفترة تحولات مهمة في الإطار التنظيمي والعملي لهذه العملات. فقد أصبحت عملة AEcoin بالفعل قيد الاستخدام بعد حصولها على الموافقة ضمن الإطار التنظيمي الصادر عن المصرف المركزي، بينما حصل بنك زند على الموافقة لإطلاق عملته المستقرة المرتبطة بالدرهم الإماراتي. ومن جهة أخرى، تترقب الأسواق القرارات القادمة للمصرف المركزي بشأن مبادرات أخرى، من بينها مشاريع مرتبطة بمؤسسات مصرفية كبرى مثل بنك أبوظبي الأول ومصرف رأس الخيمة.

وفي هذا المشهد المزدحم، برز مشروع واحد اختار مساراً مختلفاً بشكل واضح. فعندما نشرت USDU مؤخراً منشوراً على منصة “لينكدإن” حول مستقبل التسوية المالية العالمية، كان اللافت ليس فقط ما ورد في المنشور، بل الأسلوب الذي تم اعتماده. فقد جاءت اللغة عامة وهادئة، وبعيدة عن النبرة التنافسية المعتادة في عالم العملات الرقمية. علاوة على ذلك، لم يتضمن المنشور أي ادعاءات بالتفوق أو السبق، ولم يتطرق إلى تفاصيل تقنية معقدة، كما لم يحاول خلق ضجة إعلامية، مما جعله يبرز بطريقة متميزة في المشهد الرقمي الإماراتي.
وهنا يبرز سؤال بسيط لكنه جوهري: من هو الجمهور الذي تخاطبه USDU فعلاً؟

قراءة في اللغة: رسالة ليست موجهة لأسواق الكريبتو

ركز منشور USDU على مفاهيم مثل التسوية المؤسسية، والثقة، وتطور البنية التحتية المالية، مع الحرص على تجنب أي ذكر للمنافسين أو الحديث عن الحصص السوقية، كما ابتعد كلياً عن المصطلحات الشائعة في مجتمع الكريبتو. ومن هذا المنطلق، لم تكن اللغة المستخدمة موجهة للمتداولين أو المطورين أو المستخدمين الأفراد، بل بدت أقرب إلى خطاب مهيأ خصيصاً للجهات التنظيمية، والبنوك، والأطراف المؤسسية.
وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب قد يُفسر للوهلة الأولى على أنه حذر في الخطاب، إلا أنه عند وضعه في سياق أوسع يصبح منسجماً تماماً مع النهج الذي اعتمدته USDU منذ البداية في تقديم نفسها.

ترخيص بهدوء… في وقت يعلو فيه الضجيج

عندما أعلنت USDU حصولها على الترخيص ضمن إطار ADGM، تم ذلك بهدوء ملحوظ. لم نشهد حملة إعلامية واسعة، ولا محاولة لتقديم الترخيص كإنجاز تاريخي في سوق العملات الرقمية.
في قطاع اعتاد تضخيم الأخبار التنظيمية، كان هذا الصمت لافتاً. لكن في عالم التمويل المنظم، غالباً ما يكون الهدوء إشارة إلى ما هو قادم، لا إلى ما تحقق بالفعل.

سؤال السوق المحلي: لماذا خطوة USDU التالية مهمة؟

بحسب مصادر مطلعة على الملف، تقدمت USDU بطلب للحصول على شهادة عدم ممانعة (NOC) من مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، بهدف السماح باستخدام USDU داخل السوق المحلي، وليس فقط ضمن نطاق سوق أبوظبي العالمي.

وتشير هذه المصادر إلى أن الطلب في مرحلة متقدمة، مع توقعات بالحصول على الموافقة خلال الفترة المقبلة.

في حال تحقق ذلك، فإن الخطوة ستكون بالغة الأهمية. فالانتقال من إطار المناطق المالية الحرة إلى السوق المحلي يعني الدخول إلى نطاق المدفوعات والتسوية الخاضع مباشرة لإشراف المصرف المركزي. وحتى إن اقتصر الاستخدام على مؤسسات مالية محددة، فإن هذا يتطلب مستوى عالياً من التوافق التنظيمي والحساسية النقدية.

هذا السياق يعيد تفسير نبرة خطاب USDU . فعندما يكون الجمهور المستهدف جهة تنظيمية مركزية، تصبح الأولوية للاستقرار، والحياد، والتوافق مع النظام المالي القائم، وليس للابتكار الخطابي أو التسويق.

إعادة قراءة هيكل USDU من زاوية مؤسسية

عند النظر إلى USDU من هذا المنظور، تبدو خياراتها التصميمية منطقية. مشروع الشركة أو ما يسمى الورقة البيضاء تركز على أساسيات محافظة: احتياطي كامل، حفظ منظم، حوكمة واضحة، وآليات استرداد محددة. لا يوجد حديث عن عوائد، ولا توجه نحو المستخدمين الأفراد، ولا محاولة لتقديم USDU كعملة جماهيرية.
حتى نموذج التوزيع يعكس هذا التوجه، إذ اختارت USDU العمل مع مزودي بنية تحتية مؤسسية مثل Aquanow، المعروفة بخدماتها المقدمة للبورصات، والبنوك، والأطراف المؤسسية الكبرى. هذا الاختيار يشير بوضوح إلى تركيز على توفير السيولة والوصول المؤسسي، وليس على الانتشار الاستهلاكي.
ومن اللافت أيضاً أن AEcoin، وهي عملة مستقرة مرتبطة بالدرهم ومصرح بها للاستخدام المحلي، تنتمي إلى نفس المنظومة المؤسسية عبر داس هولدينغ DAS Holding، التي لها أيضاً دور في USDU . هذا التوازي بين عملة دفع محلية بالدرهم وأداة تسوية بالدولار يعزز فكرة أن المشروعين مصممان لأدوار مختلفة وغير متنافسة.

ليست في منافسة مع الدرهم… ولا تحاول ذلك

لا تحاول USDU تقديم نفسها كوسيلة تبادل محلية، ولا كبديل للدرهم. لا يوجد حديث عن ربط مباشر بالدرهم على الشبكة، ولا عن استخدامات استهلاكية داخل الدولة.
أي علاقة بين USDU والدرهم ستظل، إن وجدت، عبر قنوات مؤسسية تقليدية: بنوك منظمة، عمليات صرف خاضعة للرقابة، ونظام مالي يحتفظ بسيادته النقدية.
وهنا يكمن الفارق الجوهري. عملة مستقرة بالدولار تُستخدم كأداة تسوية مؤسسية تختلف جذرياً عن عملة دفع مرتبطة بالدرهم وموجهة للاستخدام المحلي. USDU تعمل في مسار موازٍ، لا في مسار تصادمي.

القبول قبل الانتشار

مجمل الصورة يشير إلى استراتيجية واضحة. USDU لا تسعى إلى لفت الأنظار أو تحقيق انتشار سريع. بل تسعى إلى القبول داخل النظام المالي المنظم.
وإذا ما حصلت الموافقة على الاستخدام المحلي، فقد تتحول USDU إلى حالة مرجعية لكيفية دمج العملات المستقرة ضمن النظام المالي الإماراتي دون إثارة مخاوف تتعلق بالسيادة النقدية أو مخاطر التجزئة الاستهلاكية.
ليس من خلال الصدام، بل من خلال التوافق.
في سوق يركز كثيراً على السرعة ومن يصل أولاً، يبدو أن USDU تراهن على أن التوقيت الصحيح، والخطوات المدروسة، قد تكون أكثر أهمية من الضجيج.

وليد أبو زكي

المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة آنلوك بلوكتشين-Unlock Blockchain والمدير التنفيذي لشركة الاقتصاد والأعمال. حائز على إجازة في إدارة الأعمال من جامعة بيروت العربية، عمل في المجال المصرفي لسنوات، لينتقل بعدها للعمل في مجلة الاقتصاد والأعمال كمحرر متخصص في القطاع المالي والمصرفي، وأشرف على إدارة وتأسيس العديد من المؤتمرات الاقتصادية في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى