
في مشهد أسواق العملات الرقمية المتقلبة، لا يقتصر اختبار الصدمات السعرية على قدرة المشاركين على الصمود فحسب، بل يمتد ليكشف حقائق أعمق تتعلق ببنية السوق نفسها وآليات عملها.
خلال الأسابيع الأخيرة من يناير 2026، تراجعت القيمة السوقية الإجمالية للعملات الرقمية بنسبة تراوحت بين 15% و20%، لتنخفض من نحو 3.2 تريليون دولار إلى قرابة 2.6 تريليون دولار بحلول أوائل فبراير، وفقًا لبيانات CoinMarketCap. في المقابل، هبط سعر البيتكوين من ذروته القريبة من 96 ألف دولار إلى ما دون 76 ألف دولار، أي بانخفاض يتجاوز 35% عن أعلى مستوى تاريخي له عند 126,080 دولارًا المسجّل في أكتوبر 2025. كما تراجع سعر الإيثيريوم إلى 2,415 دولارًا، وسولانا إلى 103 دولارات، بينما انخفضت أسعار أفضل 100 عملة رقمية بنسبة تراوحت بين 4% و12% خلال جلسات تداول فردية.
وشهد الأول من فبراير تصفية عقود آجلة بقيمة 2.2 مليار دولار خلال 24 ساعة، بحسب CoinGlass، وهو أكبر انخفاض يومي منذ الانهيار الحاد الذي وقع في 10 أكتوبر. بالتوازي، تراجع مؤشر الخوف والطمع على منصة Alternative.me إلى مستوى 14، أي ضمن نطاق “الخوف الشديد”، من دون أي إشارات واضحة على استقرار وشيك.
هذا ليس انخفاضًا عشوائيًا.
بصفتي الرئيس التنفيذي وكبير استراتيجيي السيولة في Stratalink Labs ، حيث نعمل على تطوير بنية تحتية سوقية مؤسسية تركّز على التحقق الشفاف من السيولة، تابعتُ عن كثب التدفقات ودفاتر الطلبات والمراكز لحظة بلحظة. وتبدو الصورة واضحة: إعادة ضبط عميقة للسيولة تقودها رياح اقتصادية كلية معاكسة متشابكة مع هشاشة هيكلية مستمرة. يعمل السوق حاليًا على التخلص من التجاوزات، وإعادة تسعير التوقعات، وفرض مراجعة جذرية لكيفية فهم السيولة وتوفيرها.
الدوامة الاقتصادية الكلية: التعريفات الجمركية والجغرافيا السياسية وتحول الاحتياطي الفيدرالي
لم تكن علاقة العملات الرقمية بشهية المخاطرة العالمية أكثر وضوحًا مما هي عليه اليوم. فقد تسارع التراجع مع تهديدات الرئيس ترامب بفرض تعريفات جمركية جديدة، ما أشعل موجة واسعة من تجنب المخاطر في أسواق الأسهم والسلع والأصول عالية المضاربة. كما أدت التصعيدات الجيوسياسية، بما في ذلك تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، إلى تعزيز قوة الدولار، الأمر الذي زاد من حدة أزمة السيولة على مستوى العالم.
وامتدت التداعيات إلى ما هو أبعد من سوق العملات الرقمية، إذ تراجع سعر الذهب بنسبة 9% في 31 يناير إلى ما دون 4,900 دولار أميركي بعد أن بلغ ذروته التاريخية عند 5,595 دولارًا، بينما انخفض سعر الفضة بنسبة 26% إلى 85.30 دولارًا. وعليه، لا تمثل هذه التطورات أزمة خاصة بالعملات الرقمية بقدر ما تعكس إعادة تقييم عالمية للسيولة، حيث تتلقى العملات الرقمية، بوصفها فئة الأصول الأعلى تقلبًا والأكثر سيولة على مدار الساعة، الصدمة الأولى والأشد.
وجاء التحول الحاسم في 30 يناير مع ترشيح الرئيس ترامب لكيفن وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي. يُعرف وارش، وهو محافظ سابق في المجلس، بدعمه للانضباط النقدي وتفضيله لسياسة أكثر تشددًا وأسعار فائدة حقيقية أعلى. وفي حين كانت الأسواق تتوقع استمرار نهج التيسير النقدي في عهد جيروم باول، قلب هذا الترشيح التوقعات رأسًا على عقب، ما دفع سعر البيتكوين إلى الهبوط دون مستوى 80 ألف دولار وسط موجات تصفية متتالية.
وتشير التوقعات لشهر ديسمبر إلى خفض واحد فقط لسعر الفائدة خلال عامي 2026 و2027، في وقت أعلن فيه السيناتور توم تيليس عزمه عرقلة المصادقة على التعيينات إلى حين انتهاء التحقيق في مشروع تجديد مبنى الاحتياطي الفيدرالي، ما يطيل أمد حالة عدم اليقين النقدي. وفي ظل تشديد الأوضاع المالية وارتفاع الدولار، تتحمل الأصول الرقمية العبء الأكبر من عمليات خفض المخاطر.
نقاط الضعف الهيكلية: انكشاف مواطن الضعف المزمنة في عالم العملات الرقمية
لا تكتفي الصدمات الاقتصادية الكلية بإحداث تصحيحات سعرية، بل تكشف أيضًا عن نقاط ضعف هيكلية متجذرة، يأتي في مقدمتها الإفراط في استخدام الرافعة المالية. فقد سمحت منصات المشتقات بتراكم مراكز شراء ضخمة انهارت تباعًا، حيث تجاوزت التصفية في جلسة واحدة 500 مليون دولار في منتصف الشهر، قبل أن تبلغ ذروتها بأكثر من 2.5 مليار دولار لاحقًا.
وساهمت ما يُعرف بـ “السيولة الوهمية”، حيث توحي فروق الأسعار الضيقة بعمق غير موجود فعليًا، في تحويل عمليات بيع محدودة إلى انهيارات سريعة، لا سيما خلال فترات السيولة المنخفضة في عطلات نهاية الأسبوع. كما زاد انسحاب صناع السوق تحت الضغط من تفاقم الأزمة، ما أدى إلى اتساع فروق الأسعار واستنزاف السيولة اللازمة لخروج منظم من مراكز الرافعة المالية. ويضاف إلى ذلك أن تجزئة منصات التداول وازدحام الشبكة في بعض الأحيان يعرقلان عمليات المراجحة، ويحولان دون استقرار سريع للأسعار.
ولا يزال شبح العاشر من أكتوبر ماثلًا بقوة، حين شهد السوق أكبر عملية خفض رافعة مالية في يوم واحد بقيمة 19 مليار دولار، مع تصفية أكثر من 1.6 مليون متداول واختفاء سيولة جانب العرض عبر المنصات الرئيسية. وقد كشفت تلك الأحداث عن خلل تسعيري حاد بين المنصات، أدى إلى استدعاءات هامش قسرية لمراكز كان من الممكن أن تبقى قابلة للتداول في ظل تسعير موحد. ومع تعطل الواجهات وفشل أوامر وقف الخسارة، لم يستعد السوق عمقه حتى اليوم، ما جعل صدمات فبراير أكثر إيلامًا.
تحولات التدفقات المؤسسية وتراجع الثقة
تحولت التدفقات المؤسسية إلى سلبية بشكل واضح. ففي 29 يناير، سجلت صناديق تداول البيتكوين الفورية تدفقات خارجة بقيمة 818 مليون دولار أميركي، ليرتفع إجمالي التدفقات الخارجة خلال يناير إلى 1.1 مليار دولار، وفق بيانات بلومبيرغ. ويُعد ذلك الشهر الثالث على التوالي من عمليات الاسترداد، بإجمالي 6.18 مليار دولار خلال ثلاثة أشهر، بعد فترة تراكم بلغت نحو 35 مليار دولار خلال عامي 2024 و2025.
ومع تداول البيتكوين عند 76 ألف دولار مقابل متوسط سعر دخول متوقع يقارب 90,200 دولار، يواجه المستثمر المؤسسي خسائر غير محققة تقارب 15%، في ظل تزايد مخاطر المزيد من الاستسلام، خاصة مع استمرار الغموض التنظيمي بين هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية وهيئة تداول السلع الآجلة.
مواجهة إعادة الضبط: وضوح الرؤية وسط العاصفة
لا يمثل ما يحدث انهيارًا للسوق بقدر ما يعكس مرحلة نضج مؤلمة لكنها ضرورية. فقد كان التصحيح متوقعًا بعد ذروة التقلبات في 2025. واليوم، ومع انخفاض المديونية، تبرز فرص غير متكافئة لمن يملك الرؤية والقدرة على الصمود.
غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بموعد التعافي، بل بطبيعة السوق التي ستنشأ بعده: هل ستعيد إنتاج نقاط الضعف نفسها، أم ستبني بنية أكثر متانة؟ إن الخلل الجذري يتمثل في غياب مصدر موحد ومحايد لبيانات السيولة، وهي مشكلة حلتها الأسواق التقليدية منذ عقود، بينما لا تزال الأصول الرقمية تعاني تبعاتها.
نحو معايير سيولة قابلة للتحقق
في هذا السياق، تبرز مبادرات بنية تحتية جديدة تهدف إلى سد فجوة التحقق. ففي Stratalink Labs، نعمل على تطوير إطار محايد للتحقق من السيولة عبر منصات متعددة، من خلال تحليل عمق دفاتر الطلبات وإصدار شهادات سيولة قابلة للتحقق تشفيريًا، بما يتيح تقييم العمق الحقيقي القابل للتنفيذ، وليس الاكتفاء ببيانات مُبلغ عنها ذاتيًا.
وتكمن أهمية هذا النهج في حياديته التشغيلية الكاملة، إذ تعمل ستراتالينك كبنية تحتية مستقلة لا تمارس التداول ولا تملك مصلحة تنفيذية. ومع سعي المؤسسات التنظيمية والمالية إلى مزيد من الشفافية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سيتبنى السوق هذه الأطر طوعًا، أم سينتظر صدمة نظامية جديدة تفرض الإصلاح؟



