إيثيريوم تدخل مرحلة جديدة من التجميد المؤسسي بعد تجاوز حاجز تاريخي

دخلت إيثيريوم حقبة جديدة، بعدما تجاوزت ثاني أكبر شبكة بلوكتشين في العالم عتبة تاريخية تمثّلت في تجميد أكثر من 36.6 مليون إيثيريوم. هذا التطور دفع الشبكة إلى مستوى غير مسبوق من اللامركزية والتزام رأس المال.
وتؤكد بيانات حديثة من شبكة البلوكتشين، صادرة عن Validator Queue في نهاية يناير، أن أكثر من 30% من إجمالي معروض إيثيريوم بات مُجمّدًا. ويُعدّ هذا التحول رمزيًا وهيكليًا في آنٍ واحد، مدفوعًا بشكل كبير بالزيادة اللافتة في مشاركة المؤسسات.
موجة من ثقة المؤسسات
ما كان في السابق حكرًا على مستخدمي العملات الرقمية الأفراد، أصبح اليوم ساحة تنافس بين كبرى المؤسسات المالية العالمية.
ومن أبرز الأمثلة على هذا التحوّل، قيام شركة Bitmine مؤخرًا بزيادة رصيدها من التجميد بأكثر من 250 ألف إيثيريوم، ليصل إجمالي حيازتها إلى 2.58 مليون إيثيريوم. وتبلغ القيمة السوقية للشركة حاليًا نحو 7.67 مليار دولار، وقد خصصت 61% من ممتلكاتها من الإيثيريوم (ETH) للمُدقّقين، في مؤشر واضح على رهانها طويل الأمد على مستقبل الشبكة.
ويتزامن هذا الازدهار في نشاط التجميد مع إطلاق Lido V3، وهو تحديث رئيسي يقدّم stVaults، وهي بيئات تجميد معزولة وقابلة للتخصيص، صُمّمت خصيصًا للفرق المحترفة والمؤسسات المالية الكبرى. وتُتيح هذه الخزائن للمستثمرين الكبار الوصول إلى عائدات تجميد الإيثيريوم، مع الحفاظ على المرونة والسيولة بفضل التكامل العميق مع منصات التمويل اللامركزي.
في الوقت نفسه، يواصل التمويل التقليدي توسيع حضوره في منظومة إيثيريوم. فقد سجّلت شركة بلاك روك، أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، صندوق iShares Staked Ethereum Trust في ولاية ديلاوير، في خطوة إجرائية لكنها بالغة الأهمية نحو توفير فرص استثمارية منظّمة في تجميد الإيثيريوم. كما حصلت شركات مثل Grayscale وREX-Osprey على الموافقات اللازمة لدمج التجميد ضمن صناديق تداول الإيثيريوم الفورية الخاصة بها.
ومع عائد حالي متوسط يبلغ نحو 3.95%، تقدّم هذه المنتجات ميزة نادرة في الأسواق التقليدية، إذ تجمع بين الاستثمار في أصل عالي النمو وتوفير تدفّق دخل سلبي موثوق.
أمان أقوى للشبكة مقابل تحديات متنامية في السيولة
يشير ارتفاع نسبة التجميد في شبكة إيثيريوم إلى فائدة واضحة تتمثّل في تعزيز أمان الشبكة بشكل ملحوظ. فكلما زادت كمية الإيثيريوم المُجمّدة لدى المُدقّقين، ارتفعت تكلفة تنفيذ هجوم بنسبة 51%، ما يعزّز مناعة الشبكة.
ويُسهم نظام الانتظار في إيثيريوم في دعم هذا الاستقرار، حيث تتم عمليات دخول وخروج المُدقّقين تدريجيًا كل نحو 6.4 دقائق، ما يمنع حدوث تقلبات مفاجئة في مستوى المشاركة. وقد دافع فيتاليك بوتيرين مرارًا عن هذه التأخيرات في السحب، معتبرًا إياها آلية وقائية ضد عمليات الخروج الجماعية المفاجئة والمزعزعة للاستقرار.
وفي نوفمبر 2025، شهدت الشبكة وجود 2.45 مليون إيثيريوم في انتظار السحب، مقابل 1.5 مليون إيثيريوم في انتظار الدخول، في مثال واضح على آليات الحماية المصمّمة للحفاظ على استقرار النظام.
لكن في المقابل، بدأت تظهر مجموعة من التحديات بشكل أكثر وضوحًا، أبرزها:
– انخفاض سيولة الإيثيريوم في السوق المفتوحة.
– زيادة القيمة المحجوزة لفترات طويلة.
– الاعتماد المتزايد على مزوّدي خدمات التجميد.
وبات ما يقارب ثلث إجمالي معروض الإيثيريوم غير متاح للتداول حاليًا. وبينما يحتفظ المُجمّدون الأصليون بالتحكم الكامل في مفاتيحهم، فإنهم يواجهون فترات سحب أطول، إضافة إلى مخاطر محتملة في حال سوء سلوك المُدقّقين، وهي عوامل تبدو المؤسسات أكثر قدرة على إدارتها مقارنة بالمستثمرين الأفراد.
شبكة في طور التحول
هذا ولا يُمثّل تجاوز عتبة التجميد البالغة 30% مجرد إنجاز إحصائي، بل يعكس تحولًا هيكليًا عميقًا في كيفية استخدام إيثيريوم ومن يساهم في رسم ملامح مستقبلها.
فلم تعد المؤسسات مجرّد مراقبين من الخارج، بل أصبحت مشغّلين أساسيين لطبقة الأمان في شبكة إيثيريوم، مدفوعة بتوسعها في الأصول الرقمية المُرمّزة، والعملات المستقرة، والعقود الذكية المصمّمة للاستخدام المؤسسي.
وفي الوقت الذي يسود فيه مناخ من الثقة وتتدفق رؤوس الأموال بوتيرة متسارعة، تبقى الأنظار متجهة إلى الأشهر المقبلة، التي ستكشف ما إذا كان هذا التقييد المكثف للمعروض سيدفع سعر الإيثيريوم إلى الارتفاع، أم أن شح السيولة سيفرض ضغوطًا جديدة على الكيانات التي تمتلك حصصًا كبيرة.
ما هو مؤكد أن عصر التجميد في إيثيريوم لم يعد في طور التشكّل، بل أصبح واقعًا ملموسًا، ويُحدث تحولًا جذريًا في بنية السوق واتجاهاته.




