استقرار البيتكوين عند 88 ألف دولار والفضة تتصدر المشهد بأداء غير مسبوق

استقرّ سعر البيتكوين فوق مستوى 88,000 دولار أميركي يوم الاثنين، مدعومًا بتزايد عمليات الشراء المؤسسية. وفي الوقت نفسه، تحوّل اهتمام المستثمرين إلى المعادن النفيسة، ولا سيما الفضة، التي سجلت مستوى قياسيًا تاريخيًا وتفوّقت لفترة وجيزة على أسواق الأسهم العالمية والأصول الرقمية من حيث حجم التداول.
وتعكس هذه التحركات المتباينة لحظة استثنائية في الأسواق العالمية، إذ يواصل المستثمرون المؤسسيون شراء البيتكوين عند انخفاض سعره، في حين يتجه المتداولون الأفراد والمؤسسات على حدّ سواء إلى ملاحقة الزخم القوي في أسواق المعادن.
استقرار البيتكوين مع إقبال المؤسسات على الشراء عند انخفاضه
تداول البيتكوين قرب مستوى 88,600 دولار أميركي، مسجّلًا ارتفاعًا بنحو 1.2% خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، وذلك بعد تراجعه الأسبوع الماضي من نطاق 95,000–96,000 دولار أميركي. ويأتي هذا الاستقرار المدروس في ظل سلسلة من التطورات المؤسسية والتنظيمية التي عززت ثقة المستثمرين على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، فاجأت شركة ميتابلانيت اليابانية، المتخصصة في إدارة أصول البيتكوين، الأسواق بتوقعات إيجابية قوية لعامي 2025 و2026، وذلك رغم إعلانها تسجيل انخفاض غير نقدي في قيمة أصولها بنحو 700 مليون دولار أميركي، نتيجة تراجع أسعار البيتكوين في نهاية العام. وأكدت الشركة أن هذا الانخفاض لم يؤثر في تدفقاتها النقدية ولا في استراتيجيتها طويلة الأجل لإدارة الأصول.
وتتوقع ميتابلانيت تحقيق إيرادات تقارب 58 مليون دولار أميركي خلال العام المقبل، معوّلةً على نشاطها في توليد دخل البيتكوين بوصفه المحرّك الرئيسي للربحية المستقبلية. كما ارتفعت حيازاتها من البيتكوين إلى 35,102 بيتكوين، بزيادة تتجاوز 560% مقارنة بعام 2024، في مؤشر واضح على استراتيجيتها الطموحة التي تضع البيتكوين في صميم نموذج أعمالها.
أما في الولايات المتحدة، فقد أكدت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC) وهيئة تداول السلع الآجلة (CFTC) أن جلستهما المشتركة لتنسيق الإشراف على الأصول الرقمية، والتي كانت قد أُجّلت في وقت سابق من هذا الشهر، ستُعقد في 29 يناير. وتهدف هذه الخطوة إلى توحيد الرقابة التنظيمية والحد من التشتت، وهو ما يرى فيه محللون عاملًا داعمًا لتعزيز القدرة التنافسية العالمية لقطاع الأصول الرقمية الأميركي.
تسارع التراكم المؤسسي
واصلت شركة ستراتيجي التابعة لمايكل سايلور موجة الشراء المكثفة للبيتكوين خلال فترة التراجع الأخيرة، إذ استحوذت على 2,932 بيتكوين بقيمة تقارب 264 مليون دولار أميركي. وتم تنفيذ هذه الصفقة عندما انخفض السعر لفترة وجيزة إلى ما دون 87,000 دولار أميركي، ما رفع إجمالي حيازات الشركة إلى مستوى غير مسبوق بلغ 712,647 بيتكوين، بقيمة تتجاوز 54 مليار دولار أميركي.
وخلال شهر يناير وحده، اشترت “ستراتيجي” أكثر من 40,000 بيتكوين، متجاوزةً بذلك إجمالي مشترياتها خلال الأشهر الخمسة السابقة مجتمعة. ويؤكد هذا السلوك استمرار إقبال المستثمرين المؤسسيين الكبار، حتى في ظل ضعف السوق على المدى القصير.
فنيًا، لا يزال سعر البيتكوين يتحرك داخل قناة هابطة، إلا أن تحركات الأسعار الأخيرة تشير إلى دفاع قوي من المشترين عن منطقة 86,200–88,000 دولار أميركي. كما توحي الذيول السفلية الطويلة وتراجع وتيرة الانخفاض بوجود عمليات تراكم، لا تصفية قسرية.
ولا يزال السعر دون مستوى المقاومة الرئيسي الواقع بين 90,500 و91,000 دولار أميركي، وهو المستوى المحدد بمتوسطي المتوسط المتحرك الأسي 50 و100 على الإطار الزمني لأربع ساعات. وفي حال اختراق هذه المنطقة، قد يمتد الصعود نحو 93,300 ثم 95,500 دولار أميركي. أما كسر مستوى 86,200 دولار أميركي فقد يدفع السعر إلى التراجع نحو 84,400 دولار أميركي، مع بقاء البنية العامة للسوق سليمة حتى الآن.
ويراقب المتداولون عن كثب تشكّل نموذج الوتد الهابط، وهو نمط فني غالبًا ما يسبق تحركات صعودية، خاصة عندما يترافق مع تباين إيجابي في مؤشر القوة النسبية (RSI)، وهو ما بدأ بالظهور مؤخرًا.
ارتفاع الفضة إلى مستوى قياسي جديد
في المقابل، شهدت أسواق الفضة واحدة من أكثر التحركات دراماتيكية، إذ ارتفع سعر الأونصة لفترة وجيزة فوق 117 دولارًا قبل أن يتراجع إلى حدود 105 دولارات. ورغم هذا التراجع، لا تزال الفضة قد حققت مكاسب تتجاوز 517% منذ أواخر عام 2017، متفوقةً بذلك على مكاسب البيتكوين التي بلغت نحو 500% خلال الفترة نفسها.
وقد دفع هذا الصعود الحاد أحجام التداول في صناديق التداول الفورية المرتبطة بالفضة إلى مستويات غير مسبوقة. وسجّل صندوق iShares Silver Trust (SLV) حجم تداول تجاوز 32 مليار دولار يوم الاثنين، أي ما يعادل نحو 15 ضعف متوسطه اليومي، ليصبح الأعلى تداولًا بين جميع الأوراق المالية عالميًا في ذلك اليوم.
وللمقارنة، بلغ حجم تداول صندوق SPY نحو 24 مليار دولار، في حين سجلت كل من Nvidia وTesla أحجام تداول تقارب 16 مليار دولار لكل منهما. ويعزو المحللون هذا النشاط الاستثنائي إلى زخم السوق المدفوع باختراقات نفسية وفنية مهمة، أبرزها تجاوز الفضة حاجز 100 دولار، ووصول الذهب إلى مستوى قياسي بلغ 5,107 دولارات للأونصة.
ما الذي يدفع طفرة المعادن؟
تعود طفرة المعادن الحالية إلى تداخل مجموعة من العوامل الاقتصادية والهيكلية. فقد أسهم ضعف الدولار الأميركي، الذي تراجع مؤشره بأكثر من 15% عن ذروته المسجلة في عام 2022، في تعزيز جاذبية الأصول المقومة به.
إلى جانب ذلك، يتزايد الطلب الصناعي مدفوعًا بتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث تستهلك مراكز البيانات، والرقائق الإلكترونية، وشبكات الطاقة كميات قياسية من النحاس والفضة. كما أسهمت مشاركة المستثمرين الأفراد في تعزيز هذا الاتجاه، لا سيما بعد تسجيل اختراقات فنية بارزة جذبت اهتمام المضاربين على الزخم.
ويحذر محللو السوق من أن موجة الارتفاع قد تستمر مع انتقال مزيد من رؤوس الأموال المضارِبة نحو المعادن، في وقت تشهد فيه الأصول التقليدية عالية المخاطر تراجعًا نسبيًا.
تراجع العملات الرقمية مع تدفقات خارجة من صناديق التداول
في المقابل، يبرز الأداء الضعيف للبيتكوين في ظل تسجيل صناديق تداول البيتكوين الفورية في السوق الأميركية تدفقات خارجة تقارب 1.7 مليار دولار أميركي على مدى خمس جلسات متتالية، ما أسهم في زيادة ضغوط البيع. ويرى محللون أن استمرار فشل السعر في استعادة مستوى 100 ألف دولار أميركي قد يعمّق حالة التشاؤم على المدى القصير، رغم بقاء التوقعات طويلة الأجل إيجابية.
انقسام السوق في اتجاهين
يعكس الارتفاع المتزامن في أسعار الفضة، مقابل التماسك المحدود في سعر البيتكوين، انقسامًا واضحًا في توجهات المخاطرة داخل الأسواق العالمية. ففي حين تستفيد المعادن من الزخم القوي، وعدم اليقين الاقتصادي الكلي، والطلب الصناعي المتزايد، يعتمد البيتكوين بدرجة أكبر على التراكم المؤسسي وتقدّم الوضوح التنظيمي لرسم ملامح مرحلته الصعودية المقبلة.
وإذا حافظ البيتكوين على مستوى الدعم فوق 88,000 دولار أميركي، مع استمرار المؤسسات في استيعاب فترات التراجع، يرى محللون أن الأساس لانطلاقة جديدة لا يزال قائمًا، حتى في وقت تتصدّر فيه المعادن عناوين الأخبار.




