إختيار المحررمساحة رأي

فخ الركود: الأسواق تخشى الانهيار.. لكنها قد تفوّت التحول

على مدى نحو ثمانية أشهر، سادت في الأسواق رواية واحدة تكاد تكون جامعة: “انهيار كبير قادم”.
هذه القناعة انعكست بوضوح في سلوك المستثمرين، سواء في أسواق الأسهم أو في أسواق الأصول الرقمية، حيث ارتفعت مستويات السيولة النقدية إلى حدود غير معتادة، وسط ترقّب واسع لما وُصف بـ”الهبوط الحاد”.
في هذا السياق، تحوّل توقّع الانهيار النظامي إلى ما يشبه الإجماع، ما أدى إلى تباطؤ تدفقات رأس المال، واعتماد استراتيجيات دفاعية، وتراجع الانكشاف على المخاطر الجديدة إلى أدنى مستوياته. غير أنّ مفارقة لافتة بدأت تتشكّل داخل “اقتصاد الخوف” هذا.

فعندما يتراجع الجميع إلى الهامش انتظارًا للانهيار، يصبح الحذر الجماعي بحد ذاته قوة محرّكة للأسواق. وهنا، لا يعود السؤال الحقيقي مرتبطًا بوجود التقلبات، إذ إن التقلب سمة دائمة للأسواق، بل بما إذا كانت هذه الأسواق تُسيء تفسير تحوّل هيكلي عميق على أنه مجرد انهيار وشيك.

ما هو مُسعّر – وما هو غير مُسعّر

لفهم طبيعة اقتصاد الخوف الحالي، لا بد من التمييز بين الضوضاء الدورية قصيرة الأجل والتحولات الهيكلية طويلة الأمد. فالأسواق، في نهاية المطاف، ليست غافلة عن هذه المخاطر، وقد جرى بالفعل تسعير جزء كبير من المخاطر المعروفة ضمن التقييمات الحالية.

مُسعّرة إلى حد كبير

تشمل هذه الفئة مجموعة من العوامل التي نوقشت على نطاق واسع خلال الأشهر الماضية، من بينها استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول من المتوقع، وتصاعد التوترات الجيوسياسية في أوروبا والشرق الأوسط، إلى جانب تنامي النزعة الحمائية وإعادة ضبط التعريفات الجمركية كسياسة اقتصادية أساسية. كما أُخذ في الحسبان تباطؤ العوائد المتوقعة من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والتقلبات السياسية في الاقتصادات الغربية، فضلًا عن تشديد القيود التنظيمية على الأصول الرقمية. وبسبب وضوح هذه المخاطر، تمكنت الأسواق من التكيف معها نسبيًا.

مُسعّرة بشكل أقل

في المقابل، لا تزال مجموعة أخرى من التحولات الجوهرية أقل انعكاسًا في الأسعار. ويأتي في مقدمتها إعادة الضبط طويلة الأجل للسياسة التجارية والصناعية الأميركية، وتسارع إعادة توطين الصناعات واعتماد استراتيجيات سلاسل توريد سيادية، إلى جانب صعود القومية الاستراتيجية للموارد. كما يبرز انتقال خلق القيمة نحو البنية التحتية الخاصة قبل الوصول إلى الأسواق العامة، وتطور دور المؤسسات داخل الأنظمة النقدية الرئيسية، فضلًا عن إعادة الضبط الهيكلي الأوسع التي ترسمها الأطر الاقتصادية طويلة الأجل.

وهنا تكمن الإشكالية الأساسية: فالتصحيحات الدورية تميل إلى التراجع بمرور الوقت، بينما تتراكم التحولات الهيكلية تدريجيًا. لذلك، فإن انتظار وضوح كامل خلال مرحلة التحول قد يعني في الواقع انتظار شكل من الاستقرار لم يعد موجودًا بصيغته السابقة.

الولايات المتحدة: الاحتكاك كإعادة هيكلة

قد يميل البعض إلى قراءة الموقف الأميركي الراهن من زاوية حزبية ضيقة، إلا أن هذا التفسير يختزل المشهد بشكل مفرط. تاريخيًا، شهدت الولايات المتحدة دورات متكررة من إعادة الهيكلة المؤسسية والاقتصادية.

في هذا الإطار، يوضح جورج فريدمان في كتابه “العاصفة التي تسبق الهدوء” التفاعل بين دورة مؤسسية تمتد لنحو 80 عامًا ودورة اجتماعية-اقتصادية تقارب 50 عامًا. ورغم أن هذه الدورات ليست حتمية، فإنها توفر إطارًا تفسيريًا مفيدًا، إذ غالبًا ما تتزامن لحظات الاحتكاك السياسي والاقتصادي مع تحولات هيكلية أعمق.
ومن هذا المنطلق، فإن المشهد الحالي، الذي يتسم بمفاوضات التعريفات الجمركية، وإعادة توطين الصناعات، والتجريب المالي، والمواقف الجيوسياسية الأكثر حزمًا، يعكس عملية إعادة هيكلة أكثر مما يشير إلى تراجع اقتصادي شامل.

صحيح أن هذه التحولات لا تلغي التقلبات، بل غالبًا ما تُرافقها توترات سياسية واختلالات في تسعير الأسواق ودوران في رؤوس الأموال. إلا أن الرهان على عودة نموذج العولمة السلس لعام 2019 قد يعني التمسك بنظام اقتصادي تغيّر بالفعل.
ولا تزال الولايات المتحدة الأميركية، رغم كل ذلك، مُصدّرة العملة الاحتياطية العالمية، وصاحبة أعمق أسواق رأس المال، والمركز الأساسي للسيولة العالمية. وعليه، فإن أي تغيير هيكلي في موقعها يترك أثرًا يتجاوز حدودها ليطال النظام المالي العالمي بأسره.

مارك كارني وحجته ضد الحنين إلى الماضي

خلال مشاركته في منتدى دافوس، وجّه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني رسالة لافتة لاقت صدى واسعًا لدى صانعي السياسات والأسواق على حد سواء، مفادها أن الحنين إلى الماضي لا يشكّل استراتيجية قابلة للاستمرار.
وباستخدامه استعارة بائع الخضار الذي لا يزال يرفع لافتة “نظام قائم على القواعد” رغم تراجع عدد من يؤمنون بفاعليته كما كان سابقًا، أقرّ كارني بواقع هيكلي جديد. فالعولمة تُعاد صياغتها، والسياسة الصناعية عادت إلى الواجهة، كما أصبح أمن الطاقة والموارد أولوية استراتيجية مجددًا.

لم تكن هذه المقاربة أيديولوجية بقدر ما كانت عملية. فالدول، وفق هذا المنطق، مطالبة بالعمل ضمن الواقع القائم، لا ضمن صورة مثالية لماضٍ لم يعد موجودًا.
ويعكس التاريخ الاقتصادي لكندا هذه الذهنية، إذ استمرت الاستثمارات طويلة الأجل في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والقدرات المالية عبر دورات السلع الأساسية، بدل تعليقها مع كل انكماش اقتصادي. لقد كان البناء وسط التقلبات، لا انتظار الاستقرار الكامل، خيارًا استراتيجيًا متكررًا.
وبالنسبة للأسواق، ينطبق المنطق ذاته. فانتظار عودة التوازن العالمي السابق بالكامل قد لا يؤدي سوى إلى تفويت فرصة المساهمة في تشكيل التوازن التالي.

اقتصاد الخوف في أسواق العملات الرقمية

يقدّم سوق العملات الرقمية نموذجًا واضحًا لكيفية تأثير خطابات الخوف والتهويل على توجهات المستثمرين وسلوك السوق بشكل عام. فعلى مدى أشهر، ساد طرح ثنائي مبسّط: “إما وصول سعر البيتكوين إلى 200 ألف دولار، أو انهيار وشيك”.

وبما أن سعر البيتكوين استقرّ قرب مستوى 90 ألف دولار بدلًا من الاندفاع السريع نحو أهداف المضاربة المرتفعة، فسّر البعض هذه المرحلة على أنها حالة ركود أو فشل في تحقيق الزخم المتوقع. غير أن هذا التفسير يغفل عنصرًا جوهريًا، يتمثل في التقدم الهيكلي الذي تشهده أسواق العملات الرقمية.
في الواقع، فإن تداول البيتكوين قرب مستوى 90 ألف دولار يمثّل بحد ذاته خلقًا كبيرًا للقيمة مقارنة بالدورات السابقة. والأهم من ذلك، أن البنية التحتية الأساسية للنظام البيئي الرقمي شهدت نضجًا ملحوظًا. فقد تحسّن وضوح الأطر التنظيمية في العديد من الولايات القضائية، وأصبحت أنظمة الحفظ والامتثال المؤسسي أكثر صلابة، كما بدأ تنظيم العملات المستقرة يدخل حيّز التطبيق، بما في ذلك الأطر الناشئة في دولة الإمارات العربية المتحدة وأجزاء من آسيا.

إلى جانب ذلك، تعمّقت المشاركة المؤسسية وأصبحت أكثر تنظيمًا واستدامة. وعلى عكس الدورات السابقة، التي كانت فيها التوقعات السعرية المرتفعة مدفوعة إلى حد كبير باستقراء الزخم والمضاربات قصيرة الأجل، فإن المرحلة الحالية تعكس تحوّلًا مختلفًا. لم تعد العملات الرقمية تكافح من أجل البقاء، بل باتت تندمج تدريجيًا في البنية التحتية المالية العالمية.
ورغم أن التقلبات لا تزال سمة متأصلة في الأصول الرقمية، فإن النظام البيئي اليوم يتمتع بمرونة أعلى بكثير مما كان عليه في الفترات التي اتسمت بعدم اليقين التنظيمي الوجودي.

ما وراء سردية فقاعة الذكاء الاصطناعي

من التشوهات الأخرى التي يكرّسها “اقتصاد الخوف” الاعتقاد بأن الأداء الاقتصادي العالمي بات مرهونًا بالكامل بتقييمات الذكاء الاصطناعي. صحيح أن بعض قطاعات البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تشهد تصحيحات أو عودة إلى مستويات أكثر توازنًا، إلا أن الاقتصاد الأوسع يتمتع بدرجة أعلى من التنوع.

فعلى المستوى العالمي، يتصاعد الإنفاق الدفاعي، ولا يزال الابتكار في قطاع الأدوية قويًا، في حين تؤدي عمليات إعادة توطين الصناعات إلى إنشاء مراكز تصنيع جديدة. وفي الوقت نفسه، تواصل التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا المالية تطورها بوتيرة مستقرة، مدفوعة بتغير أنماط الاستهلاك والتقدم التقني.
وبالتالي، فإن التحول الاقتصادي الجاري هو تحوّل متعدد القطاعات، ولا يعني التباطؤ في قطاع بعينه هشاشة النظام ككل أو اقترابه من الانهيار.

تكلفة انتظار الانهيار

هذا وقد يكون الاحتفاظ بمستويات مرتفعة من السيولة النقدية خلال فترات عدم اليقين خيارًا مفهومًا، بل وحكيمًا في بعض الحالات. غير أن الانتظار المطوّل على الهامش يحمل في طياته تكلفة خفية لا تقل خطورة.
فالتضخم يواصل تآكل القوة الشرائية، والابتكار لا يتوقف، والقدرات الصناعية تتوسع، كما تستمر تحديثات البنية التحتية المالية بغض النظر عن تردد الأسواق أو مزاج المستثمرين. وقد شهد النظام المالي العالمي في السابق ظروفًا أكثر زعزعة للاستقرار، من أزمات مالية شاملة إلى تجميد السيولة وتهديدات تنظيمية وجودية لأسواق العملات الرقمية، ومع ذلك تمكن من التكيّف والاستمرار.

صحيح أن بيئة السوق الحالية مليئة بالتحديات، لكنها ليست معيبة هيكليًا. فقد تبقى الأسواق متقلبة، ويستمر الخطاب السياسي في التحول، إلا أن تعمّق المؤسسات، والتقدم التنظيمي في مجال الأصول الرقمية، إلى جانب دورات الاستثمار الصناعي، تشير جميعها إلى أساس أكثر متانة مما يوحي به الخوف السائد.
قد لا يشبه التحول الهيكلي الجاري الدورات السابقة، فهو غير متكافئ، ومثير للجدل، ويتقدم بوتيرة غير منتظمة. لكنه، في نهاية المطاف، يتحرك إلى الأمام.
وعليه، قد لا يكون الخطر الأكبر هو التقلب بحد ذاته، بل الركود الذهني: الخلط بين إعادة الابتكار والانهيار، والبقاء على الهامش في وقت يستمر فيه التحول الهيكلي في إعادة تشكيل الأسواق.

وليد أبو زكي

المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة آنلوك بلوكتشين-Unlock Blockchain والمدير التنفيذي لشركة الاقتصاد والأعمال. حائز على إجازة في إدارة الأعمال من جامعة بيروت العربية، عمل في المجال المصرفي لسنوات، لينتقل بعدها للعمل في مجلة الاقتصاد والأعمال كمحرر متخصص في القطاع المالي والمصرفي، وأشرف على إدارة وتأسيس العديد من المؤتمرات الاقتصادية في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى