إعادة هيكلة “مانترا” تطرح أسئلة جوهرية حول التبني والطلب

بعد عام مضطرب اتسم بضغط الأسواق وإعادة ضبط داخلية، أعلنت “مانترا – MANTRA” عن إعادة هيكلة شاملة للشركة، تهدف إلى خفض التكاليف، تضييق نطاق التركيز، وتمديد القدرة التشغيلية حتى عام 2026. القرار، الذي أعلنه الرئيس التنفيذي جون باتريك مولين، شمل تقليص عدد الموظفين، لا سيما في مجالات تطوير الأعمال، التسويق، والأدوار الداعمة الأخرى.
وجاءت رسالة إعادة هيكلة “مانترا” متزنة وواضحة، وتحمل قدرًا عاليًا من تحمّل المسؤولية، إذ تشرح كيفية تخطيط الشركة للاستمرار تشغيليًا في بيئة سوقية صعبة. ومع ذلك، لا تزال هذه الرسالة لا تجيب بشكل كامل عن السؤال الأكثر جوهرية: من يستخدم مانترا فعليًا في مجال التوكنة، ولماذا؟
إعادة ضبط تشغيلية ضرورية
بحسب مولين، جاءت إعادة هيكلة مانترا نتيجة تداخل عدة عوامل ضاغطة، أبرزها استمرار تراجع السوق، واشتداد المنافسة في قطاع الأصول الحقيقية الممثّلة رقميًا (RWA)، إضافة إلى ما وصفه بـ”أحداث مؤسفة وغير عادلة” وقعت في أبريل 2025. هذه العوامل مجتمعة جعلت هيكل التكاليف السابق غير قابل للاستمرار على المدى القريب.
من منظور تشغيلي بحت، يبدو القرار منطقيًا. فخفض الحرق النقدي، وتمديد فترة التشغيل، والتحول من منطق التوسع إلى منطق التنفيذ، خطوات مألوفة لمشاريع البنية التحتية خلال فترات ضعف السوق. ومن هذه الزاوية، تعكس إعادة الهيكلة قدرًا من الانضباط أكثر مما تعكس حالة طوارئ.
لكن، وعلى الرغم من أهمية هذا الانضباط، فإنه وحده لا يكفي لمعالجة التحدي الأكبر الذي تواجهه مانترا.
حين بلغ الإقبال ذروته.. وما الذي تغير الآن؟
قبل أحداث أبريل 2025، كانت مانترا قد بدأت في بناء زخم خارج الإطار التقليدي لعالم الأصول الرقمية. فقد وقّعت مذكرات تفاهم مع مطورين عقاريين إقليميين بارزين، من بينهم MAG وDAMAC، ما وضعها في موقع المرشح المحتمل لتوفير البنية التحتية اللازمة لتوكنة العقارات على نطاق واسع.
إلى جانب ذلك، أبدت جهات حكومية اهتمامًا أوليًا بهذا التوجه، حيث أظهرت دائرة الأراضي والأملاك في دبي انفتاحًا على استكشاف مبادرات التوكنة باستخدام بنية مانترا.
وكانت هذه المؤشرات بالغة الأهمية، لأنها عكست قبولًا مبدئيًا لفكرة التوكنة من قبل مطوري الأصول والجهات التنظيمية في آنٍ واحد. إلا أن هذا المسار بدأ يتغير بعد حادثة أبريل، إذ شرعت المؤسسات والمطورون في إعادة تقييم خياراتهم، والبحث عن منصات ومسارات بديلة.
ورغم أن إعادة التقييم الاستراتيجي سلوك طبيعي في الأسواق الناشئة، إلا أن هذا التحول يسلط الضوء على حقيقة أساسية في مجال توكنة الأصول: الثقة والاستمرارية لا تقلان أهمية عن التكنولوجيا نفسها.
التوكنة سلسلة متكاملة وليست بروتوكولًا
إنّ توكنة الأصول الحقيقية لا تبدأ على البلوكتشين، ولا تنتهي عند إصدار التوكن. بل تعتمد على سلسلة متكاملة تشمل مالكي الأصول، الأطر القانونية، هيكلة الإصدار، قنوات التوزيع، إضافة إلى الالتزامات اللاحقة مثل التقارير الدورية، توزيع العوائد، وآليات الخروج.
وعندما يضعف أي عنصر من عناصر هذه السلسلة، يتباطأ التبني، بغض النظر عن مدى تطور البنية التقنية المستخدمة.
بالنسبة لمانترا، لا تكمن المشكلة في تجاهل هذه العناصر، بل في انقطاع الاستمرارية بينها. فإعادة بناء هذه السلسلة تتطلب أكثر من مجرد بنية تحتية متقدمة؛ إذ تحتاج إلى مواءمة دقيقة بين الحوافز، ومستوى تحمّل المخاطر، والالتزام طويل الأجل بين جميع الأطراف، من المطورين إلى حاملي التوكنات.
نشاط الشبكة أهم من هندستها
مع دخول إعادة هيكلة “مانترا” حيز التنفيذ، من المتوقع أن يتحول التركيز بشكل متزايد نحو النشاط الفعلي على السلسلة. ففي السوق الحالية، لم يعد كافيًا بناء حل تقني متين من دون استخدام مستدام وحقيقي.
اليوم، يبحث المصدرون، والجهات التنظيمية، والمستثمرون عن إشارات ملموسة، مثل إصدارات متكررة للأصول، ومشاركة فعلية من حاملي التوكنات، ونشاط اقتصادي يعكس طلبًا حقيقيًا، لا مجرد تجارب محدودة أو مبادرات استعراضية.
ومن دون هذا النشاط الواضح على الشبكة، تخاطر أي منصة تمثيل رقمي، مهما بلغت جودة تصميمها، بأن تتحول إلى حل أنيق بلا مستخدمين.
تحدٍ في السرد لا في التكنولوجيا
حتى الآن، ركّزت إعادة هيكلة “مانترا” على الجوانب التشغيلية والتقنية، من خلال ضبط التكاليف، وإعادة تنظيم الفرق، وتحسين وتيرة التنفيذ. ورغم أن هذه الخطوات ضرورية، فإنها تبقى غير كافية بمفردها.
والتحدي الأعمق يكمن في السرد.
فمنصات التوكنة لا تنجح فقط بإقناع المطورين، بل بإقناع مالكي الأصول، والمؤسسات، والجهات التنظيمية بأن المنصة تعكس قيمهم الأساسية، مثل الاستقرار، القابلية للتنبؤ، المساءلة، والالتزام طويل الأمد.
وبالنسبة لمانترا، قد يتطلب الأمر الانتقال من سرد يركز على البنية التحتية إلى سرد يركز على النتائج: من يصدر الأصول على السلسلة، من يحتفظ بها، ولماذا تمثل مانترا الخيار الاقتصادي المنطقي لتوكنة الأصول الحقيقية.
ما الخطوة التالية؟
أشارت “مانترا” إلى أنها ستشارك مزيدًا من التفاصيل حول أولوياتها الجديدة ونمطها التشغيلي في الأسابيع المقبلة. وستكون هذه التحديثات محل اهتمام واسع من الشركاء والمستثمرين والقطاع ككل.
قد تنجح إعادة الهيكلة في تثبيت العمليات على المدى القريب، لكن الاختبار الحقيقي لا يزال قائمًا: تحويل التوكنة من بنية تحتية تقنية إلى سوق يعمل فعليًا. ويتطلب ذلك طلبًا حقيقيًا، وقنوات توزيع واضحة، وقيمة مضافة مفهومة لكل طرف في السلسلة، من مطوري العقارات إلى المستثمرين النهائيين.
وسيحدد ما إذا كانت مانترا قادرة على إعادة بناء منظومة متماسكة قائمة على قيم مشتركة وحوافز طويلة الأجل، ما إذا كان هذا التوقيت سيُذكر كتدخل تصحيحي ضروري، أم كلحظة أعادت فيها الشركة تعريف دورها في مشهد الأصول الممثّلة رقميًا.
ملاحظة حول القيادة
خلال هذه المرحلة، أظهر مولين تحمّلًا واضحًا للمسؤولية وشفافية في التواصل، وهي صفات لا تزال نادرة نسبيًا في قطاع الأصول الرقمية. كما أن الاعتراف بالمسؤولية، لا سيما في فترات الانكماش، يحمل وزنًا حقيقيًا في بناء الثقة.
ومع دخول “مانترا” مرحلتها التالية، قد تشكل هذه المصداقية أحد أهم أصولها غير الملموسة. فالتحدي اليوم لا يكمن في بناء المزيد من التكنولوجيا، بل في ترجمة الرؤية إلى تبنٍ مستدام في السوق، وبنفس القدر من الوضوح والانفتاح الذي ميّز هذه المرحلة الانتقالية.



