خلف جدار OFAC الرقمي: هل تنجو كوبا وأخواتها عبر “سحابة” العملات الرقمية؟

في عالمٍ لم تعد فيه الجيوش تُقاس بمجرد عتادها التقليدي، برزت الأصول الرقمية كجبهة قتال خفية، وأداة استراتيجية تعيد رسم خارطة النفوذ الدولي. لقد تحولت “البلوكشين” من مجرد تقنية مالية ثورية إلى سلاح جيوسياسي تستخدمه الأنظمة الخاضعة للعقوبات لكسر طوق العزلة المالية الذي تفرضه القوى الغربية. هذا التحول الرقمي لم يعد مجرد وسيلة لتسهيل التجارة البسيطة، بل أصبح العمود الفقري لنظام مالي موازٍ يتحدى هيمنة الدولار الأميركي ويجعل من الرقابة التقليدية أداة من الماضي.
إيران والتحايل على العقوبات: الكريبتو كأداة نفوذ دولي
لم تعد طهران تكتفي بمجرد استخدام “تعدين” العملات الرقمية كوسيلة لشح السيولة، بل انتقلت مطلع عام 2026 إلى مرحلة “الهجوم الرقمي” الأكثر جرأة في تاريخها الجيوسياسي. فبحسب تقارير استقصائية حديثة ، تصدرتها “فايننشال تايمز”، كشف مركز التصدير التابع لوزارة الدفاع الإيرانية عن بنية تحتية تجارية متكاملة تتيح للحكومات والجهات الأجنبية شراء ترسانة استراتيجية، تشمل صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وحتى سفن حربية، مقابل دفعات مالية تُسوّى بالكامل عبر الأصول الرقمية.
هذا التحول لا يمثل مجرد “التفاف” على العقوبات، بل هو إعلان رسمي عن ولادة نظام “مقايضة رقمي” متطور يكسر احتكار نظام “سويفت – SWIFT” العالمي. في هذا الصدد، نجد أن إيران قد نجحت في بناء “بوابة إلكترونية” عسكرية تعمل كمنصة تجارة حرة للأسلحة، حيث يتم التفاوض عبر قنوات مشفرة، وتُجرى المعاينات الفنية داخل الأراضي الإيرانية، بينما تنساب الأموال في محافظ رقمية لا تخضع لسلطة المصارف المركزية.
إن خطورة هذا النهج تكمن في قدرته على منح طهران حصانة مالية، فالمشتري الدولي لم يعد مضطراً للمخاطرة بتجميد أرصدته أو مواجهة ملاحقات OFAC التقليدية، طالما أن المعاملة تتم في فضاء الكريبتو اللامركزي. وبذلك، يتحول الكريبتو من كونه أصلاً استثمارياً متقلباً إلى “وقود سيادي” لمحرك النفوذ الإيراني، مما يتيح لها تمويل أبحاثها العسكرية وتوسيع نفوذها الإقليمي بعيداً عن الرادار الغربي، ويضع المجتمع الدولي أمام معضلة أمنية غير مسبوقة: كيف يمكنك فرض حصار على دولة تبيع صواريخها عبر سحابة رقمية لا تترك خلفها أي أثر ورقي؟
من “هافانا” إلى “كاراكاس”: المقايضة الرقمية ومخاطر “التكتل المنبوذ”
في ظلّ العقوبات الاقتصادية الأميركية المستمرة، تحوّلت العملات الرقمية إلى شريان حياة خفي لكلٍ من كوبا وفنزويلا. غير أنّ القصة أعمق بكثير من مجرّد آلية تكيّف تقني، إذ تعبّر عن صراع وجودي تستخدم فيه هذه الدول أدوات رقمية لفكّ قيود الحصار المالي المفروض عليها.
في كوبا، ظلّت العملات الرقمية حتى وقت قريب تدور في منطقة رمادية، بعيدة عن أي إطار تنظيمي واضح. إلا أنّ تشديد العقوبات الأميركية، ولا سيما خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، وما رافقه من توتر حاد في العلاقات بين هافانا وواشنطن، أدى إلى خنق قنوات التحويل المالي التقليدية. أمام هذا الواقع، بادرت السلطات الكوبية إلى احتضان التكنولوجيا الرقمية بوصفها أداة اقتصادية بديلة، وجاء القرار رقم 215 لعام 2021 ليُشرّع ويُنظّم استخدامها تحت إشراف البنك المركزي.
ومع ذلك، يطرح هذا الاعتماد تساؤلات ملحة حول طبيعة المشهد مستقبلاً؛ فهذه الأصول في كوبا وإيران وروسيا تفتقر إلى التسجيل الدقيق والحفظ المؤسسي السليم (Institutional Custody). وهذا يعني أن ما حدث في فنزويلا من ضياع وسرقة للأصول قد يتكرر في أي مكان، حيث يسهل الاستيلاء على هذه الثروات الرقمية في ظل غياب الرقابة المؤسسية الرصينة، مما يحولها من أداة صمود إلى ثغرة أمنية.
أما في فنزويلا، فالقصة تتجاوز مجرد الصمود الاقتصادي لتصبح معركة نجاة شخصية للنظام. وفي خطوة صادمة، أعاد اعتقال مادورو وزوجته تسليط الضوء على دور الكريبتو كأداة مالية للتنقل خارج نطاق القيود المصرفية التقليدية، خاصة مع التقارير التي تفيد بامتلاك كاراكاس لما يقرب من 600 ألف بيتكوين. هذه الثروة الرقمية الضخمة تمنح النظام القدرة على التحرك ماليًا بعيدًا عن الإجراءات القانونية الدولية.
ومع ذلك، بدأ هذا “الدرع الرقمي” يتصدع من الداخل. ففي ضربة موجعة، اهتزت أركان كاراكاس بفضيحة فساد كبرى أدت إلى الإطاحة بوزير النفط السابق طارق العيسمي مطلع عام 2024. كشفت التحقيقات عن تبديد مليارات الدولارات من عائدات النفط التي تمت تسويتها عبر قنوات الكريبتو. إن هذه الفضيحة تثبت صحة التوقعات بأن غياب الأطر المؤسسية لحماية الأصول يجعلها عرضة للنهب السهل، فبدلاً من أن تكون بوليصة تأمين سيادية، تحولت إلى وسيلة لاستنزاف الثروات العامة من قبل مختلسين داخل الدوائر الضيقة، مما يثبت أن “السيادة الرقمية” بلا رقابة مؤسسية هي مجرد وهم.
تشكّل “كتلة رقمية” معزولة عن العالم
الأخطر من كل ذلك، أن اعتماد دول مثل إيران وكوبا وروسيا وفنزويلا على الأصول الرقمية لا يحدث في فراغ، بل يؤدي تدريجيًا إلى تشكّل “عنقود رقمي” من الاقتصادات المعاقَبة، منفصل عن النظام المالي العالمي. ومع مرور الوقت، ستجد منصات التداول الكبرى نفسها أمام ضغوط تنظيمية متزايدة، ما يرجّح حظر أو تقييد الأصول الرقمية القادمة من هذه الأسواق.
وعند هذه النقطة، تبدأ مرحلة أكثر تعقيدًا: نشوء سوق ثانوية غير رسمية لهذه الأصول، أو حتى أنظمة مقايضة رقمية بديلة. في هذا السيناريو، لا تعود العملات الرقمية وسيلة ادخار أو تحويل، بل أداة تبادل مغلقة داخل اقتصاد موازٍ، قد يُستخدم لتمويل أنشطة عالية الخطورة، بدءًا من تجارة السلاح، مرورًا بالمواد الكيميائية الخطرة، وصولًا إلى المخدرات، وربما ما هو أخطر من ذلك.
واشنطن تضيّق الخناق
تراقب واشنطن هذا الصعود المتسارع للعملات الرقمية بعين الريبة، فهي تدرك تماماً أن نجاح هذه الدول يعني تجريد “سلاح العقوبات” من فاعليته. ومنطقياً، انتقل الموقف الأميركي إلى استراتيجية الخناق التقني.
هذه السياسة الأميركية المتشددة تدفع نحو خلق “تكتل رقمي – Cluster” يضم الدول المتضررة في مواجهة بقية العالم. ومن المتوقع مستقبلاً أن نرى الأصول الرقمية القادمة من هذه الأسواق منبوذة ومحظورة بشكل كامل على منصات التداول العالمية. فهذا العزل سيؤدي بالضرورة إلى خلق سوق نقدية ثانوية لهذه الأصول، أو ما هو أسوأ: نظام مقايضة بدائي وخطير.
إن الخطورة الحقيقية لهذا السوق الموازي تكمن في نوعية السلع المتبادلة، فبعيداً عن الرقابة الدولية، ستُستخدم هذه الأصول الرقمية “المحظورة” للحصول على مواد محرمة، بدءاً من الأسلحة المتطورة وصولاً إلى المواد الكيميائية الخطرة أو التهديدات النووية، فضلاً عن تجارة المخدرات، مما يجعل فضاء الكريبتو ساحة لمقايضات كارثية تهدد الأمن العالمي.
بين مطرقة التكنولوجيا وسندان السيادة
في عام 2026، لم يعد صراع واشنطن مع “محور التمرد الرقمي” الممتد من طهران إلى كاراكاس وهافانا مجرد مواجهة سياسية، بل سباق تسلح بين الخوارزميات ومقصات الرقابة. وبينما تحاول هذه الأنظمة الاحتماء بـ “البوابات العسكرية” الرقمية، يظل المواطن العادي هو الحلقة الأضعف.
إن السؤال الكبير الذي يفرضه هذا العقد: هل ستؤدي هذه الأصول الرقمية غير المحصنة مؤسسياً إلى فوضى داخلية وسرقات كبرى؟ وهل سينتهي الأمر بالعالم أمام سوق سوداء رقمية تقايض البيتكوين بالسموم الكيميائية والنووية؟ أم أن موازين القوى التقليدية في واشنطن ستثبت أن فوهات المدافع لا تزال تملك الكلمة الأخيرة؟



