من التداول إلى البنية التحتية: لماذا لم يعد الشرق الأوسط يلعب لعبة العملات الرقمية؟

خلال معظم دورة السوق الأخيرة، كان من السهل تلخيص قصة الأصول الرقمية في الشرق الأوسط: حجم تداول أكبر، مستخدمون أكثر، منصات تداول أكثر. شهدت منطقة الخليج طفرة كبيرة في تبني العملات الرقمية، وارتفعت معدلات ملكيتها، وأصبح حجم المعاملات مؤشراً واضحاً على التقدم.
لكن هذا الإطار لم يعد كافياً.
ما يحدث في المنطقة اليوم ليس مجرد مرحلة إضافية من التبني، بل هو تحوّل في النية والاستراتيجية. لم تعد الأصول الرقمية في الشرق الأوسط تُعامل كأسواق تبحث عن النمو فحسب، بل كبنية تحتية يتم بناؤها بعناية. هذا التمييز جوهري؛ فالأسواق تسعى وراء الزخم، بينما تتطلب البنية التحتية الانضباط والتنظيم.
يُسلط تقرير إقليمي حديث صادر عن Fuze بعنوان “الأصول الافتراضية في الشرق الأوسط” الضوء على هذا التحوّل، ليس لأنه يقدم تنبؤات جريئة، بل لأنه يعكس واقعاً قائماً بالفعل. إن أهم مؤشر لم يعد عدد متداولي العملات الرقمية، بل من يُشكّل تدفقاتها، وكيف تُنظم هذه التدفقات، وما الدور المطلوب من الأصول الرقمية أن تؤديه داخل النظام المالي. والإجابة، على نحو متزايد، هي دور المؤسسات.
بحسب الأرقام الواردة في التقرير، يأتي 93% من قيمة معاملات العملات الرقمية في الإمارات العربية المتحدة حالياً من المؤسسات والمستثمرين المحترفين، وعادةً ما تتضمن تحويلات بقيمة 10,000 دولار أميركي أو أكثر. وخلال 12 شهراً، تجاوزت التدفقات المؤسسية للعملات الرقمية عبر الدولة 34 مليار دولار أميركي. هذا ليس سوقاً مضارباً للأفراد، بل نشاط مالي بحت، وهذا النشاط المالي يُغيّر كل شيء.
عندما تهيمن المؤسسات على التدفقات، تتوقف العملات الرقمية عن كونها مجرد سرديات، وتبدأ في كونها بنية تحتية. يصبح الحفظ أهم من الواجهات، وتتفوق موثوقية التسوية على السرعة، ويصبح الامتثال شرطاً أساسياً لا عائقاً. لم تعد الأصول الرقمية تُقيّم كأسواق بديلة، بل كأدوات تُحسّن من كيفية انتقال الأموال والأصول والسيولة بين الأنظمة.
التنظيم لا يُبطئ العملات الرقمية.. بل يُعيد تعريفها
من أكثر الخرافات شيوعاً في عالم الأصول الرقمية أن التنظيم يقضي على الابتكار، لكن الشرق الأوسط يُثبت العكس بهدوء.
كما يُبيّن التقرير، فقد انتقلت عملية تنظيم الأصول الرقمية في المنطقة، ولا سيما في الإمارات العربية المتحدة، بشكلٍ حاسم من التنظير إلى التطبيق. أصبحت أنظمة الترخيص سارية المفعول، والتنسيق الرقابي واقعاً ملموساً، وتوسعت التزامات الإبلاغ. وبدلاً من وجود قواعد متفرقة، تعمل الجهات التنظيمية على توحيد الأطر بين مختلف الولايات القضائية.
لا يتعلق الأمر هنا بالظهور بمظهر “المُرحّب بالعملات الرقمية”، بل بضمان قابلية الإنفاذ والتنظيم الفعّال. يشير التعاون الإقليمي من خلال المعايير المتوافقة مع توصيات مجموعة العمل المالي (FATF)، وتوسيع نطاق التزامات مكافحة غسل الأموال، وتوحيد هياكل الترخيص، إلى تحوّلٍ متعمّد: لم تعد الأصول الرقمية استثنائية، بل يجري دمجها ضمن النظام المالي، وهو ما يسمح لها بالتوسع بثبات.
لا يمكن للبنية التحتية أن تنمو في ظل غموض تنظيمي. يسلط التقرير الضوء على التنسيق بين السلطات الاتحادية والجهات المحلية في الإمارات، مؤكداً أن التنظيم لم يعد عائقاً، بل أصبح الركيزة الأساسية للبنية التحتية الرقمية.
العملات المستقرة: الرابحون الصامتون في هذا التحول
إذا كان هناك مجال يتجلى فيه هذا التحوّل البنيوي بوضوح، فهو العملات المستقرة.
يشير التقرير إلى أن أكثر من 9.8 مليار دولار أميركي من العملات المستقرة تدفقت إلى الإمارات بين يوليو 2023 ويونيو 2024، مع تسارع النشاط بدلاً من استقراره. ويتوقع المحللون نمو الخدمات المالية المرتبطة بالعملات المستقرة في دول مجلس التعاون الخليجي بنحو 32% سنوياً، مدفوعةً ليس بالتداول الفردي، بل بالتكامل المؤسسي.
عالمياً، تمثل العملات المستقرة حالياً أكثر من 275 مليار دولار أميركي من المعروض المتداول، ولكن في الشرق الأوسط، لا تكمن أهميتها في الحجم، بل في وظائفها. تُستخدم العملات المستقرة في التسوية، وإدارة الخزينة، والمدفوعات القابلة للبرمجة، وكفاءة المعاملات عبر الحدود. وتشير التوقعات إلى أن ما بين 7% و15% من التحويلات المالية الإقليمية قد تمر عبر العملات المستقرة بحلول عام 2030، ما يعكس واقعاً عملياً: أرخص، أسرع، وأكثر توافقاً مع المعايير.
الأمر اللافت للنظر هو التحديد الدقيق لدورها. فالأطر التنظيمية، مثل لائحة خدمات ممثلات الدفع الرقمية في الإمارات، تُقيّد استخداماتها، وتُفضّل إصدارها المدعوم بالعملات الورقية، وتدمج العملات المستقرة ضمن أنظمة دفع خاضعة للإشراف. هذا التوجّه ليس صدفة؛ فالعملات المستقرة في الشرق الأوسط لا تعمل كأموال غير رسمية، بل كقنوات تسوية مؤسسية تدعم التمويل التقليدي.
التوكنة والأصول المُمثلة رقمياً: أدوات مؤسسية وليس مجرد ابتكار
غالباً ما يُناقش مصطلح التوكنة عالمياً باعتباره وعداً مستقبلياً أو تجربة ثورية. إلا أنه في الشرق الأوسط، يُعامل كأداة مؤسسية. يشير التقرير إلى أن حجم سوق الأصول المُمثلة رقمياً قد يصل عالمياً بين 2 و4 تريليونات دولار بحلول عام 2030، مع توقع أن تصل الفرصة المتاحة في الشرق الأوسط إلى حوالي 600 مليار دولار. لكن الأهم هو كيفية تطبيق هذه الأصول.
التوجه القطري الأخير نحو تمثيل الأصول في العالم الحقيقي رقمياً، والتركيز على البنية القانونية والتنظيمية والتشغيلية، يوضح أن التركيز ليس على التداول الرقمي وحده، بل على تصميم البنية التحتية التي تُمكّن التمثيل الرقمي من العمل على نطاق مؤسسي. في الوقت عينه، تواصل الإمارات ترجمة التنسيق التنظيمي إلى نشاط سوقي فعلي، مما يعزز دورها كساحة اختبار للتمويل الممثل رقمياً.
في هذا السياق، يعيد التمثيل الرقمي تشكيل دور المؤسسات بدلاً من إلغائها، إذ يُحسّن عملية الإصدار، ويزيد كفاءة التسوية، ويوسّع نطاق الوصول مع الحفاظ على الالتزام بالأطر القانونية والإشرافية.
خلاصة: من التداول إلى البنية التحتية الرقمية
لا يتعلق الأمر بإلغاء البنوك أو الجهات التنظيمية أو المؤسسات المالية، بل بتغيير طريقة عملها.
الشرق الأوسط لا يسعى وراء الأصول الرقمية فحسب، بل يستوعبها ويؤطرها ضمن بنية تحتية مستقرة. لم يعد الحديث يدور حول من يتداول أكبر كمية من العملات الرقمية، بل حول من يبني أنظمة موثوقة تُرخصها الجهات التنظيمية وتثق بها المؤسسات ويرغب رأس المال في التوسع ضمنها.
تتقارب العملات المستقرة والأصول الممثلة رقمياً وقنوات التسوية المنظمة لتشكل كياناً أكثر استدامة من دورة السوق التقليدية، وهو تحوّل هادئ وحاسم للمؤسسات، رغم أنه قد يظل غير مرئي للمستهلكين.



