إيران وفنزويلا في 2025-2026: الجيوسياسة والتحوّل الرقمي للعملات الرقمية

في خضم 2025 وبداية 2026، تشهد الساحة الجيوسياسية تحولات معقدة في كلٍ من إيران وفنزويلا، وهما دولتان مهمتان في منظومة الطاقة العالمية، وقد أصبحت سياساتهما محط أنظار الأسواق العالمية وعوامل الضغط على الأسواق المالية والسلعية، بما في ذلك سوق العملات الرقمية.
إن الرابط الجوهري بين هاتين الدولتين ليس فقط في كونهما من كبار منتجي النفط، بل في كونهما “مختبرات واقعية” لكيفية هروب الشعوب والأنظمة من الحصار المالي التقليدي نحو الأصول الرقمية. هذا التوتر لا ينعكس كأخبار عارضة على شاشات التداول، بل يمثل قوة دفع أساسية تعيد تعريف العملات الرقمية كأدوات للتحوط السياسي والمالي في آن واحد.
سقوط “مادورو” وتأثيره على الأسواق
لم يكن اعتقال نيكولاس مادورو مجرد حدث سياسي عابر، بل شكّل صدمة فورية لمنظومة الأسواق المالية العالمية، واضعاً فنزويلا، صاحبة أضخم احتياطي نفطي مؤكد عالمياً، تحت مجهر “إعادة الهيكلة” الأميركية. في سوق النفط، أثار الخبر حالة من التذبذب الحاد، فبينما أدت المخاوف الفورية من تعطل الصادرات وتضرر البنية التحتية إلى إضافة “علاوة المخاطر” رفعت الأسعار مؤقتاً بنحو 3 دولارات للبرميل، بدأت الأسواق على المدى المتوسط “تُسعّر” احتمال تدفق الخام الفنزويلي بغزارة تحت إدارة جديدة، ما قد يدفع بأسعار النفط الخام إلى ما دون مستوى الـ 50 دولاراً. فهذا الانهيار المحتمل في أسعار الطاقة التقليدية يخلق بيئة معقدة للعملات الرقمية، حيث يراقب المتداولون مدى الارتباط بين انخفاض تكلفة الطاقة وتحسن هوامش ربح تعدين البيتكوين، وبين دور الكريبتو كأداة تحوط.
وفي هذا الصدد، أظهرت العملات الرقمية، وعلى رأسها البيتكوين، مرونة استثنائية عقب الحادثة، حيث استقر السعر فوق 90,000 دولار رغم الضجيج الجيوسياسي. هذا الاستقرار يعكس نضج السوق الرقمي، إذ لم تعد العملات الرقمية تتفاعل كأصول مخاطرة تتهاوى عند الأزمات، بل بدأت تأخذ طابع الملاذ الرقمي السيادي. وما زاد من ثقل هذا التحليل هو امتلاك النظام الفنزويلي السابق “احتياطيات ظل” تتجاوز 600,000 بيتكوين، مما يطرح تساؤلات حول مصير هذه الأصول: هل ستخضع لمصادرة دولية أم ستتحول إلى وقود لسيولة جديدة في السوق؟
على صعيد الارتباط بالأصول التقليدية، شهدنا سباقاً بين الذهب، الذي قفز لمستويات تاريخية فوق 4,400 دولار، وبين البيتكوين. وفي حين يظل الذهب الملاذ التقليدي للدول، برز الكريبتو كخيار استراتيجي للأفراد والمؤسسات الراغبة في تجاوز القيود النفطية التي فرضتها واشنطن. إنّ اعتقال مادورو قد يسرع من عملية فك الارتباط بين الكريبتو وأسواق الأسهم التقليدية، ليتحول البيتكوين إلى أداة تحوط جيوسياسية، خاصة في أميركا اللاتينية التي ترى في الرقمنة المالية مخرجاً من تقلبات العملات المحلية وانهيار الأنظمة المركزية.
البيتكوين في فنزويلا: أصول ضخمة وسط تقلبات جيوسياسية
تحتل فنزويلا موقعًا خاصًا في خريطة العملات الرقمية، إذ بدأت الدولة منذ سنوات باستخدام البيتكوين كأداة لتجاوز العقوبات المالية الأميركية وتنظيم بعض المعاملات الدولية. ووفقًا لتقارير PANews، تحتفظ فنزويلا رسميًا بما لا يقل عن 240 بيتكوين منذ ديسمبر 2022، بقيمة تُقدَّر بنحو 22.33 مليون دولار.
في المقابل، فرضت الحكومة حظرًا على تعدين البيتكوين في مايو 2024 بحجة الضغط على الشبكة الكهربائية، فيما توقفت العملة الرقمية الحكومية المدعومة من الدولة، “Petro”، عن التداول في يناير 2024، ما يعكس تخبطًا واضحًا في الاستراتيجية الرقمية الرسمية.
على المستوى السياسي، طرحت زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو في سبتمبر 2024 فكرة إدراج البيتكوين ضمن الاحتياطيات الوطنية، في إشارة إلى انقسام داخلي حول مستقبل الأصول الرقمية ودورها في إعادة بناء الاقتصاد.
وعلى نطاق أوسع، تشير تقارير وتحليلات متداولة على الإنترنت ومصادر غير رسمية إلى أن فنزويلا قد تكون، منذ عام 2018، قد حولت جزءًا من أصولها إلى البيتكوين عبر تبادل الذهب وتسوية معاملات النفط باستخدام عملات مستقرة مثل USDT.
وبحسب هذه التقارير، التي لم يتم تأكيدها رسميًا، قد تصل حيازة البلاد إلى نحو 600,000 بيتكوين، بقيمة تتراوح بين 56 و67 مليار دولار وفق الأسعار الحالية. وتفيد بعض الروايات بأن ما يقارب 2 مليار دولار من الذهب استُخدمت في عام 2018 لشراء مئات الآلاف من وحدات البيتكوين بأسعار متدنية نسبيًا.
ورغم غياب التأكيد الرسمي، فإن تداول هذه الأرقام بحد ذاته يعكس حجم القلق في الأسواق. فمن منظور السوق، فإن أي خطوة محتملة من وزارة العدل الأميركية لمصادرة أو تجميد أصول رقمية مرتبطة بالنظام السابق، في حال ثبوت وجودها، قد تفرض قيودًا مؤقتة على المعروض وتؤدي إلى تقلبات قصيرة المدى، مع احتمال ضعيف للتصفية السريعة بسبب ضخامة الحيازات وتعقيد تتبعها.
إيران: الاحتجاجات والتحول إلى العملات الرقمية
تشهد إيران موجة احتجاجات شعبية متصاعدة بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والتي تتزامن مع عقوبات دولية مستمرة على قطاعات مالية وتجارية حيوية. هذه الاضطرابات امتدت تأثيراتها إلى أسواق العقود المالية المحلية وانعكست على قيمة الريال الإيراني، حيث تراجع بشكل ملحوظ مقابل الدولار والعملات الأجنبية، مما دفع المواطنين والشركات إلى البحث عن ملاذات خارج النظام المالي التقليدي.
كشفت تقارير إعلامية أجنبية أن إيران أعلنت عن استعدادها لقبول العملات الرقمية في صفقات تصدير الأسلحة والمعدات الدفاعية، وهي خطوة غير مسبوقة تمثل أول حالة معلنة لاستخدام الكريبتو كأداة رسمية ضمن المعاملات الحكومية الاستراتيجية. هذا القرار يعكس تحولًا جوهريًا في السياسات الاقتصادية الإيرانية، حيث تسعى الدولة لتقليل اعتمادها على النظام المصرفي الدولي والتكيف مع العقوبات عبر أصول لامركزية يصعب تتبعها أو تقييدها من قبل جهات خارجية.
من منظور السوق، تُظهر هذه التحولات أن الطلب على العملات الرقمية في إيران ليس مجرد رد فعل شعبي، بل استراتيجية من قبل الدولة والمستثمرين المحليين للتحوط ضد تراجع قيمة العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم. البيتكوين والعملات المستقرة أصبحت أدوات جذابة للأفراد والشركات على حد سواء، خاصة في ظل تعقيدات التحويلات البنكية التقليدية بسبب العقوبات.
إنّ اعتماد الدولة للعملات الرقمية في الصفقات الرسمية قد يشجع دولًا أخرى تواجه عقوبات أو أزمات اقتصادية على تجربة الكريبتو كأداة لتسهيل التجارة الدولية والحفاظ على السيولة، ما يجعل إيران بمثابة مختبر لتأثير العملات الرقمية على الاقتصاد الحقيقي في سياقات معقدة.
ثنائية التحوط السيادي: الذهب والبيتكوين في ميزان الأزمات الكبرى
في ظل الأزمات الجيوسياسية، يبرز تساؤل حول ماهية “الملاذ الآمن” في العصر الرقمي. فالمراقبة الدقيقة لتحركات الأسواق تظهر مشهداً غير مسبوق: بينما قفزت أسعار الذهب إلى مستويات تاريخية فوق 4,400 دولار، أظهر البيتكوين استقراراً ونمواً مدروساً فوق حاجز الـ 90,000 دولار. هذا التزامن يشير إلى تحول بنيوي في دور الكريبتو، حيث بدأ يتجاوز عباءة أداة المضاربة ليتحول إلى أداة للتحوط الاستراتيجي. فالذهب يمثل الملاذ الفيزيائي لمواجهة انهيار العملات الورقية، بينما يمثل البيتكوين الملاذ التكنولوجي لمواجهة “سلاح العقوبات” وتجميد الأصول العابرة للحدود.
الحالة الفنزويلية تمثل تجسيداً حياً لهذا التحول، فبعد أن كانت الدول تعتمد حصراً على سبائك الذهب في خزائنها، أصبح “احتياطيات الظل” الرقمية التي قد تصل إلى 600,000 بيتكوين تمثل ثقلاً يوازي الاحتياطيات التقليدية. هذا التوجه نحو “الاحتياطيات السيادية الرقمية” يفرض واقعاً جديداً على الخارطة المالية الدولية، فتبني البيتكوين كجزء من أصول الدولة، سواء من قِبل النظام السابق أو المعارضة كبديل مستقبلي، يعني أن العملات الرقمية أصبحت ركيزة في الأمن القومي المالي.
كما أن فك الارتباط التدريجي بين الكريبتو وأسواق الأسهم التقليدية في لحظات الذروة الجيوسياسية يؤكد أن المستثمرين باتوا يصنفون البيتكوين كـ “ذهب رقمي” يمتلك ميزة إضافية هي السيولة اللامركزية. ففي الوقت الذي قد يصعب فيه نقل الذهب أو تسييله تحت وطأة الحصار العسكري في مضيق هرمز أو الاضطراب السياسي في كاراكاس، تبرز الأصول الرقمية كقناة وحيدة لضمان تدفق رأس المال، ليصبح البيتكوين الملاذ التكتيكي الذي يحمي السيادة المالية للدول والأفراد في مواجهة ضغوط القوى العظمى.
في الختام، قيل الكثير وسيُقال المزيد في الأيام المقبلة، غير أنّ المؤكد اليوم هو أنّ البيتكوين بات يُنظر إليه كملاذ آمن وحيد، سواء للأفراد أو المؤسسات أو حتى الدول. ومع ذلك، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا: ما التأثير المحتمل لهذه المعلومات، في حال ثبتت صحتها، على سوق البيتكوين عالميًا؟ وهل قد نشهد عودة لأفكار قديمة في التداول، كالدعوة إلى حظر تداول بعض وحدات البيتكوين إذا ثبت أن مصدرها دول بعينها، أو رفض المنصات المرخّصة إدراجها وتداولها؟
هذه التساؤلات تكتسب زخمًا أكبر في ظل ما نشهده حاليًا، إذ تُبدي العديد من المنصات تحفّظًا واضحًا على تداول بعض وحدات البيتكوين إذا كان مصدرها دولًا مثل كوريا الشمالية أو الصين، حيث لا يمكن بيعها أو تسييلها إلا عبر البيع المباشر مقابل النقد داخل السوق الصينية، بعيدًا عن القنوات الرسمية والمنصات المرخّصة.
وفي هذا السياق الأوسع، لم تعد الأحداث المتسارعة في إيران وفنزويلا خلال عامي 2025 و2026 مجرد اضطرابات سياسية داخلية، بل تحوّلت إلى نقطة تحوّل حقيقية في تاريخ النظام المالي العالمي. فبينما تراقب واشنطن والأسواق العالمية مصير مئات الآلاف من عملات البيتكوين في كاراكاس، وتدفقات الكريبتو في طهران، يصبح من الواضح أن قواعد اللعبة قد تغيّرت جذريًا. نحن لا نشهد فقط رقمنة للمال، بل إعادة هيكلة لمفهوم القوة نفسه، حيث لم تعد السيطرة على المعابر المائية أو آبار النفط كافية لفرض الهيمنة، بل باتت السيطرة على المفاتيح الرقمية والشبكات اللامركزية هي المعيار الجديد للسيادة في القرن الحادي والعشرين.



